فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 187

الاجتهاد، بل عليهم طاعته في ذلك، وترك رأيهم لرأيه، فإن مصلحة الجماعة والائتلاف، ومفسدة الفرقة والاختلاف، أعظم من أمر المسائل الجزئية] [1] .

ألا ترى قول الشارح أن الكتاب والسنة والإجماع قد قرروا على أن الأتباع طاعة ولي الأمر في موارد الاجتهاد (أي حيث لا حكم شرعي ثابتًا مقررًا) وأن عليهم ترك رأيهم لرأيه.

فمن قال بعد ذلك إن الشورى ملزمة فاعلم أنه مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف هذا في الإلزام، أما من قال بالوجوب فهذا أمر قد اختلف فيه علماء السلف والجمهور على الاستحباب.

تنبيه:

المُحْدَثون الذين ينادون بإلزام الشورى للإمام ويتحايلون على الأدلة الشرعية لإثبات ذلك يعللون مذهبهم بالرغبة في الحد من استبداد الحكام. وكأنهم يستدركون على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [2] ، وقال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [3] ، والحاكم الطاغية المستبد لن يوقفه إلزام الشورى ولا غيره، بل نحن نرى الطواغيت الذين يحكمون المسلمين بالشرائع الكفرية يدعون أنهم يستندون في شرعية حكمهم على رأي الشورى وأنهم يحترمون الديمقراطية، وهم يصنعون البرلمانات والأغلبية بالتزوير، والخداع وإذا أعياهم هذا لجأوا إلى البطش والتنكيل والأحكام العرفية. فما فائدة الشورى مع هؤلاء؟.

فإذا تحدثنا عن دولة الإسلام نقول إن تقرير مبدأ إلزام الشورى بها يفتح أبوابا للشر أشد من جَوْر الحاكم. إذ إنه سيؤدي إلى تعدد السلطة الآمرة العليا في الأمة، وقال تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [4] ، واستدل الماوردي بالآية على إبطال نصب إمامين للمسلمين [5] . فتعدد السلطة يؤدي إلى التعارض والفساد وتظهر تبعا لذلك الدسائس الحزبية المختلفة في مجلس الشورى لضمان الأغلبية لرأي ما، وهذا نراه حتى في التجمعات الإسلامية التي تعتمد مبدأ الأغلبية للبث في الأمور، ويترتب على التَّحَزُّب داخل مجلس الشورى التحزب في الأمة إذ كل رأي سيجد له أنصارا ثم العداوة والتناحر بين الأحزاب وغير ذلك من المفاسد الحزبية المعروفة. وأختم هذه العجالة بقولي إن ولي الأمر المسلم يعلم أنه مُقَيَّد في أغلب تصرفاته في الرعية بأحكام شرعية مستقرة. وأن ما هو مخير فيه مقيد بمصلحة الرعية لا بهوى نفسه. كما اتفق الفقهاء على أن الإمام يكون مخيرا في التصرف في الأسرى تخيير مصلحة لا تخيير شهوة وهوى. والقاعدة الشرعية تقول: [التصرف على الرعية منوط بالمصلحة] أي إن نفاذ تصرفات الراعي ولزومه عليهم شاؤوا أو أَبَوا معلق ومتوقف على وجود الثمرة والمنفعة في ضمن تصرفه، دينية كانت أو دنيوية. فإن تضمّن منفعةً ما وجب عليهم تنفيذه، وإلا رُدّ لأن الراعي ناظر، وتصرفه حينئذ متردد بين الضرر والعبث، وكلاهما ليس من النظر في شيء. والمراد بالراعي: كل من وَلِيَ أَمرا من الأمور العامة، عاما كان كالسلطان الأعظم، أو خاصا كمن دونه من العمال، فإن نفاذ تصرفات كل منهم على العامة مترتب على وجود المنفعة في ضمنها، لأنه مأمور من قِبَل الشارع صلى الله عليه وسلم أن يحوطهم بالنصح،

(1) - (شرح العقيدة الطحاوية) ط 7 المكتب الإسلامي 1403هـ ص 424

(2) - سورة مريم، الآية 64

(3) - سورة المائدة، الآية: 3

(4) - سورة الأنبياء، الآية: 22

(5) - الأحكام السلطانية ص 27

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت