ومُتَوَعَّد من قبله على ترك ذلك بأعظم وعيد، ولفظ الحديث أو معناه «من وَلِيَ من أمور هذه الأمة عملا فلم يحطها بنصح لم يَرَح رائحة الجنة» اهـ [1] .
والخلاصة: أن الشورى سنة مؤكدة ومن هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى ولي الأمر أن يتخير من الآراء ما فيه الخير والمصلحة للرعية حسب القاعدة الفقهية السابقة. أما من حيث الوجوب والإلزام، فالشورى مندوبة غير واجبة وغير ملزمة بل على الرعية طاعة ولي الأمر في رأيه واجتهاده ما لم يكن معصية صريحة، وذلك بنصوص الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة.
ملاحظة: ليس الغرض من العجالة السابقة بحث موضوع الشورى على التفصيل الذي يقتضي ذكر أدلة المخالف والرد عليها، ولعلي أفعل إن شاء الله، والذي يجب أن يعرفه الأخ المسلم أن عشرات الكتب المعاصرة التي بحثت الموضوع قد استدلت بأدلة عقلية لا تفيد حلالا أو حراما أو بأدلة شرعية وهذه بالتالي إما ليست على صلة بموضوع الشورى فلا تلزمنا وإما على صلة مباشرة وهذه ليس فيها دليل صحيح النقل بصيغة الأمر إلا آية آل عمران كما ذكرت، أما آية سورة الشورى {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} فهذه صيغة خبرية وليست صيغة أمر، وردت بمدح المتشاورين وليست صيغة طلب صريح كما هي آية آل عمران.
وما نُقل عن علماء السلف من وجوب الشورى كما نقله القرطبي عن ابن عطية وابن خُوَيْز مَنْداد [2] فهو معارَض برأي جمهور العلماء كما قال النووي وابن حجر وابن تيمية وابن القيم والجويني حيث اتفقوا جميعا على أن الشورى مستحبة غير واجبة، وهذا الخلاف كما ذكرت من قبل هو في مشروعية الشورى لا إلزامها.
وسترى في كتب بعض المعاصرين ضجيجا وصخبا واستدلالات عقلية لمحاولة جعل الشورى واجبة على الحاكم وملزمة له، تَشَبُّها بأشياعهم من الفرنجة، ودفعا لتهمة الرجعية والاستبداد عن الإسلام، ولثبتوا للفرنجة أن الإسلام كان سَبَّاقا إلى الأخذ بالديمقراطية، حتى إن بعض هؤلاء صنف كتابا باسم (ديمقراطية الإسلام) ، وسترى في كتبهم كلاما مُنَمَّقا مثل (نظرية سيادة الأمة والأمة مصدر السلطات، ومبدأ الفصل بين السلطات، وتوازن القوى داخل الدولة .. الخ، فلا يَهُولَنَّك ضجيج هؤلاء ولا كلامهم المنمق، ولكن أبحث في كلامهم عما استدلوا به من الأدلة الشرعية، وما عداها من كلام الرجال فلا حجة فيه ولا نتعبد به ربنا، فإن وجدت ثَمَّت دليل شرعي، فلن يخرج عما قلت أعلاه. وفي شأن هؤلاء المتفرنجين يقول العلامة أحمد شاكر رحمه الله [وهذه الآية {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} ، والآية {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} ، اتخذهما اللاعبون بالدين في هذا العصر ـ من العلماء وغيرهم ـ عدتهم في التضليل بالتأويل، ليواطؤا صنع الإفرنج في منهج النظام الدستوري الذي يزعمونه، والذي يخدعون الناس بتسميته"النظام الديمقراطي"فاصطنع هؤلاء اللاعبون شعارا من هاتين الآيتين، يخدعون به الشعوب الإسلامية أو المنتسبة للإسلام. يقولون كلمة حق يراد بها الباطل:"الإسلام يأمر بالشورى"ونحو ذلك من الألفاظ.
وحقا إن الإسلام يأمر بالشورى. ولكن أي شورى يأمر بها الإسلام؟ إن الله سبحانه يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} . ومعنى الآية واضح صريح، لا يحتاج إلى تفسير، ولا يحتمل التأويل. فهو أَمرٌ للرسول صلى الله عليه وسلم، ثم يكون لمن ولي الأمر من بعده: أن يستعرض آراء أصحابه الذين يراهم موضع الرأي الذين هم أولوا الأحلام والنهى، في المسائل التي تكون موضع تبادل الآراء وموضع الاجتهاد في التطبيق ثم يختار من بينها ما يراه حقا أو صوابا أو مصلحة، فيعزم على إنفاذه، غير
(1) - من كتاب (شرح القواعد الفقهية) للشيخ أحمد الزرقا، ط 1، القاعدة 57 ص 247 ـ والحديث المذكور بمعناه رواه البخاري عن معقل بن يسار (حديث 7150 ـ 7151)
(2) - القرطبي 4/ 249 ـ 250