في يوم الجمعة ثامن عشر ربيع الآخر نزل بغدوين على صور وبها عز الملك أنوشتكين الأفضلي وبنى عليها أبرجة خشب، طول البرج سبعون ذراعًا، يسع كل برج ألف رجل، وهو موضوع على شيء يسمى اسقلوس وهو فخذان ملقيان على الأرض، وفي كل برج من أسفله عشرون فرنجيًا يصيح أحدهم بالفرنجية: صند ماريا، فيصيح الباقون كذلك، ويدفعونه بأجمعهم، فيسبح على ألواح عظيمة تجعل بين يديه؛ وكانت ستائر كل برج ومناجيقه كأنها بلد يزحف.
فخرج من أهل صور ألف رجل وحملوا على البرج وطرحوا فيه النار، فعلقت بالخشب، فلم يتمكن الفرنج من إطفائه وهربوا منه، واحترق؛ فتناول المسلمون بالكلاليب ما قدروا عليه من سلاحهم، فوصل إليهم ثلاثمائة درع. وكان هذا البرج كبشا من حديد وزنة رأسه مائة وخمسون رطلًا؛ فظفر به المسلمون. وكانت الريح على المسلمين ثم صارت معهم، وملأوا جرارًا بالعذرة ورموها على الفرنج، فصاحوا وذلوا ورحلوا، فعاثوا؛ ثم عادوا وقد قطعوا النخل أنابيب ورموا بها في الخندق.