قد نزع منديله عن رأسه، وحمل حتى أركب على فرسه، وهو لا يفيق. وبقي حسين ابن أبي الهيجاء في القصر يقاتل السودان حتى قتل منهم خمسين رجلًا.
ولما ركب الصالح وشدوا جرحه تطلعت السيدة العمة من القصور فرأته راكبًا، فقالت: رحنا والله. فلما صار إلى داره كان إذا أفاق يقول: رحمك الله يا عباس، وبعث إلى العاضد يعتب عليه كيف رضي بقتله مع حسن أثره في إقامته خليفة؛ فأقسم أنه لم يعلم بذلك ولا رضى به. وأنشد عند موته:
وما ظفروا لمّا قتلت بطائل ... فعشت شهيدًا ثم متّ شهيدا
فلما كان ثلث ليلة الثلاثاء، العشرين من شهر رمضان، مات ودفن بالقاهرة، ثم نقل منها بعد ذلك إلى القرافة، والعاضد راكب والجند يمشون خلف تابوته.
ومولده في سنة خمس وتسعين. وكانت وزارته سبع سنين وستة أشهر تنقص أيامًا. وكان فاضلا. سمحًا في العطاء، سهلا في اللقاء، محبًا لأهل الفضائل، جيد الشعر وخطه دون شعره. ويقال إنه من المغرب، وقد قصد أبوه زيارة قبر علي بن أبي طالب بالنجف فرأى أمام المشهد عليًا وأخبره عن طلائع أنه يلي مصر، فقدمها، وما يزال يترقى في الخدم حتى نال ما نال.