والأمر الثاني، من الأمور الموجبة لذلك: تغير حالة وقلبه. وفساد سلوكه بجسد كان كامنًا فيه. وكان يكتمه برهة من الزمان. فظهر ذلك الكمين في قالب، صورته حق ومعناه باطل.
وفي الجملة -أيدكم الله- إذا رأيتم طاعنا على صاحبكم فافتقدوه في عقله أولًا، ثم في فهمه، ثم في صدقه، ثم في سنه. فإذا وجدتم الاضطراب في عقله، دلكم على جهله بصاحبكم. وما يقول فيه وعنه. ومثله قلة الفهم. ومثله عدم الصدق، أو قصوره، لأن نقصان الفهم يؤدي إلى نقصان الصدق بحسب ما غاب عقله عنه. ومثله العلو في السن فإنه يشيخ فيه الرأي والعقل كما تشيخ فيه القوى الظاهرة الحسية، فاتهموا مثل هذا الشخص واحذروه، واعرضوا عنه إعراض مداراة بلا جدل ولا خصومة.
وصفة الامتحان بصحة إدراك الشخص وعقله وفهمه: أن تسألوه عن مسألة سلوكية. أو علمية، فإذا أجاب عنها فأوردوا على الجواب إشكالًا متوجهًا بتوجيه صحيح، فإن رأيتم الرجل يروح يمينًا وشمالًا، ويخرج عن ذلك المعنى إلى معان خارجة، وحكايات ليست في المعنى حتى يتسنى رب المسألة سؤاله، حيث توهه عنه بكلام لا فائدة فيه، فمثل هذا لا تعتمدوا على طعنه، ولا على مدحه، فإنه ناقص الفطرة، كثير الخيال، لا يثبت على تحري المدارك العلمية، ولا تنكروا مثل إنكار هذا. فإنه اشتهر قيام ذي الخويصرة التميمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله له:"اعدل -فإنك لم تعدل- إن هذه قسمة لم يرد بها وجه الله تعالى"أو نحو ذلك.
فوقوع هذا وأمثاله من بعض معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه قال: [لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة] وإن كان ذلك في اليهود والنصارى، لكن لما كانوا منحرفين عن نهج الصواب، فكذلك يكون في هذه الأمة من يحذو حذو كل منحرف وجد في العالم، متقدمًا كان أو متأخرًا، حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه.