الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسَّلامُ على رسولِ اللهِ، أمَّا بعد:
فقد قال الله -تبارك وتعالى-: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ * وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} [1]
في هذه الآياتِ تشبيهُ حالٍ بحالٍ، وهو تشبيهٌ تمثيلي وليس مراعًا فيه تشبيهُ بعض أجزاءِ الهيئة المشبهة ببعض أجزاءِ الهيئة المشبه بها؛ فإنهم كانوا قد خرجوا للقاء العِير ليغنموها وهي غير ذات الشوكة -والشوكة: القوة-، أرادوا التي لا قوة فيها لأنها أيسرُ عليهم، ثم قدَّر الله تعالى لهم غير الذي أرادوه، فشاور النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه فوافقوه على قِتال النفير، وكره بعضهم ذلك؛ لأنهم خرجوا من غير استعدادٍ للقتال، وأفادت (إن) ولام الابتداء في هذا الموضع التعجيب من شأنهم هذا، فإن من كان مُتعًا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومفوضًا الأمر والنهي إليه لم ينبغي له أن يكره لقاء العدو، وقد علم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد اختاره وأعجب من هذا أنهم يجادلونك في الحق وهو القتال، وجملة المضارع حالٌ من فريقًا وصيغة المضارع لحكاية حال المجادلة زيادة في التعجيب منها، والمنتهى في العجب أن تكون تلك المجادلة بعد ما تبين الحق وظهر لهم، فهذا لومٌ على المجادلةِ في الخروج إلى القتال مع أنه قد سبق إخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم بأن الله ناصرهم على إحدى الطائفتين العير أو النفير؛ فنصرهم إذًا مضمون لأن وعد الله تعالى ونبيه -عليه الصلاة والسلام- حقٌ وصدقٌ، وقد أخطأتهم العير فلم يبق إلا النفير، فكان بيِّنًا أنهم إذا لقوا النفير نصرهم الله تعالى عليه، ثم إنهم قد كانوا العرب الأذكياء، والأصحاب الخُلَّص الأصفياء، وقد رأوا كراهية النبي - صلى الله عليه وسلم - لمَّا اختاروا العير فكان كل ذلك كافيًا في حصول اليقين بوعد الله لهم بالنصر إذا لقوا المشركين، ومع هذا فضلوا العير على تخضيب شوكة أعدائهم وإرغام أنوفهم، وجادلوا في خروجهم إلى القتال كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون، وما كان هذا شأنه من الظهور فلا عُذر في خفائه عليهم، ولذا أخذ العلماء من هذا المعنى وأمثالِه حكم مؤاخذة المجتهد إذا قصر في فهم ما هو مدلول لأهل النظر كما غضب النبي - صلى الله عليه وسلم - على من سأله عن ضالة الإبل فتمعَّر وجهه وقال له: (مالك ولها معها حذاؤها وسقاؤها، تشرب الماء وترعى الشجر حتى يلقاها ربها) [2] وكان قد سُئل قبل هذا عن ضالة الغنم فقال: (لك، أو لأخيك، أو للذئب) [3] ، فلما سأله السائلٌ عن الإبل أغضبه لتقصير السائل في النظر المُوصِل إلى المطلوب مع يسره، فإنهم أهل ابل وغنم وهم يتركون الإبل أيامًا فلا يضيرها ذلك، وحاصل التشبيه على ما مضى أن هذه الحالة المتعلقةَ بالأنفال في كراهتهم لها مثل إخراجك في حال كراهتهم وقد كان خير لهم، فكذلك هذه أيضا .. ولعمري إن كان هذا المقام إلا من أعظم العبر فإن الله -سبحانه- مالك الملك، وهو العليم الخبير جل وعلا ما أمر عباده بشيء ولا نهى عن شيء إلا وانطوى على باهر الحكم، وإن خفي على العباد ذلك وما عليهم إلا أن يُسلموا له سبحانه ويذعنوا له بالطاعة والامتثال لا خيرة لهم مع حكمه وقضائه، والله تعالى رحيم بالمؤمنين إذ يكلفهم بما فيه سعادة الدنيا والآخرة، وليست مصالح العباد محصورة فيما يريدون ويرغبون من استدرار الأرزاق، واستجلاب أسباب الراحة والنعيم؛ فإن ذلك إنما يمليه قصور النظر وأن الإنسان مهما أوتي من العلم لا يزال عاجزًا عن إدراك ما ينفعه وما يضره مادام بعيدًا عن هدى الله تعالى، ولإن أحاط به العجز عن إدراك مصالح نفسه فلإن يحيط به عن إدراك مصالح غيره أولى، بل مصالح الناس أجمعين.
(1) الأنفال: 5 - 8
(2) صحيح مسلم (1722)
(3) صحيح البخاري (91)