ومما يحكى هنا للتذكر والعبرة ما جرت به سنة الله تعالى من التدافع بين الحق والباطل على مر تاريخ الإسلام كله إلى أيامنا هذه وإلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها حتى أعلن في هذه السنوات عن حرب صليبية يُراد بها الإسلام وأهله، وذلك هو موقف الباطل من الحق دائمًا، لا لأن الإسلام يهدف إلى استعداء البشرية كلها كما يصور ذلك عبيد الأهواء؛ فإنه دين ودعوة إلى البشر كلهم، وهو سلم لكل من سالمه ودخل تحت سلطانه وإن لم يدن به، وإنما يعاديه من يعلم من طغاة البشر أنه يحول بينهم وبين إخضاع البشر لغير الخالق سبحانه، ويقف سدًّا منيعًا في وجه من يريد أن يجعل من الأمم أداة لتحقيق أطماعه ونزوات نفسه، وإنما الخاسر من عاداه، ووقف منه موقف الكاره المبغض.
وقراءة الدروس من التاريخ والاعتبار به أمر تشترك فيه الأمم، فإذا كان فيمن يعلن الحرب اليوم على الإسلام بقية عقل فليقرأ تاريخ الحروب الصليبية على العالم الإسلامي إذًا، وكيف باءت كلها بالفشل، وذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرها، ورجع الصليب وعبيده مذؤومين مدحورين، وهذه كتلك -بإذن الله تعالى- على أننا نذكر بأن استقراء التاريخ لا يؤدي إلى الثمرة المطلوبة إلا إذا كان استقراء تامًا يأخذ قارئه بالذي له والذي عليه، وإلا كان غرورًا وتعاميًا عن الحقائق يودي بصاحبه قبل غيره. وتاريخ العالم الإسلامي لم يبدأ من عصر ما يُسمى بالاستعمار الحديث قبل نحو مائتي عام كما يظن كثير من جهلة المسلمين من جهة، وطائفة كبيرة من متعصبة الكُتاب والباحثين الأوروبيين من جهة، والذين تعتمد كتاباتهم في السياسة الغربية مع العالم الإسلامي؛ بل التاريخ الإسلامي ذو امتدادين: امتداد زماني، امتداد مكاني، وأيضًا فإنه تاريخ تحكمه قواد مشترك في امتداديه المذكورين هي:
1.قواعد العقيدة الإسلامية الواحدة أولًا
2.وقواعد الأحكام الشرعية الواحدة ثانيًا مما يجعلنا نقول إن التاريخ الإسلامي في كثير من جوانبه ترجمة عملية لحركة الفقه الإسلامي في المجتمع
3.وقواعد الأخلاق والقيم العليا التي بُني عليها التشريع الإسلامي ثالثًا
وهذا كما ترى ليس موجودًا في غير التاريخ الإسلامي، ولا سبيل إلى استقرائه استقراءً تامًا إلا بمراعاة هذا كله. وهذا الذي ذكرناه هنا استطراد مهم أردنا به أن يكون رسالة إلى العقلاء من أمم الغرب عساهم يوقفهم على حقيقة ما تفضي إليه السياسات المعادية للإسلام التي ينتهجها بعضهم، ولا يُنكر أن فيهم ذا العقل لو أطاعوه، كما قال هرقل عظيم الروم لقومه لما بلغه ظهور النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، وكان هرقل ممن قرأ كتب أهل الكتاب ويعلم بظهور النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنه خارج لا محالة، فجمع عظماء الروم ثم قال لهم: (يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي) [1] ، فعصوه فكانت ثمرة عصيانهم زوال ملكهم وإلى يومنا هذا، وهذا من التاريخ الذي يجب أن يُقرأ فليقرأوه إن كانوا صادقين.
والعبرة الأخرى في هذا المقام التي نستقيها من هذه الآيات المباركات ما يعترض به قوم من المسلمين من أن القيام بالجهاد في هذه الأحوال التي يمر بها العالم الإسلامي قد يجرُّ الأمة إلى معركة يفوت معها كثير من المصالح مع ما يلحق من الضرر بحال الدعوة والدعاة إلى الله؛ وذكروا من الشواهد على ذلك ما لا ينكر، وهذا الذي ذكروه يحتاج إلى الجواب؛ فأما أن الجهاد تفوت بالقيام به بعض المصالح فهذا صحيح ممكن الوقوع، لكن ليس مجرد فوات شيء من المصالح بمانع منه إلا أن يكون ما فات من المصلحة أعظم من المصلحة الحاصلة بالقيام به، ثم المصالح والمفاسد إنما يعتبر فيها ميزان الشرع لا أراء الرجال وأهواء البشر، وإلا فأن كثيرًا من الناس يعدوا فوات ما هو فيه من التنعم بالعيش، وسعة المسكن، وطلب الراحة، مفسدة يمنع الجهاد لأجلها، وإن كان في المنع منه حصول ما هو أعظم من المفاسد في حكم الشرع خاصة وأن الغالب على الناس الغفلة عن المقاصد والكليات والغايات المحمودة التي جاءت بها أحكام الشريعة، كما أن طبيعتهم الغفلة عن مقاصد العدو وأهدافه البعيدة التي يسعى إليها، ولا
(1) صحيح البخاري (7)