الصفحة 26 من 33

الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسَّلامُ على رسولِ اللهِ، أمَّا بعد:

يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ * إِن تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُوا نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ}

هذه الآيات من سورة الأنفال من مواطن التربية لأهل الإسلام، وهي تدريب لهم على الشجاعة والإقدام والثبات عند اللقاء، ثم بيَّن طريق تحصيل ذلك في الآية الخامسة والأربعين وما بعدها من السورة، والشجاعة خطة محمودة عند العرب لم يزدها الإسلام إلا تقوية لها وثناءً على المتصف بها وحثًا على المحافظة عليها، وهم و إن اشتركوا مع غيرهم في هذه الصفة فقد كان لهم في هذا المقام ما ينفردون به عن غيرهم من الأمم، فإنها كانت فيهم على أكمل الوجوه مع الكرم والأنفة وإباء الضيم، وهذا من أسرار الحكمة الربانية في اختيار الجزيرة العربية مهدًا لدعوة الإسلام، والإسلام دين للبشرية كلها وركنه الجهاد في سبيل الله، ولا بد أن تكون له الهيمنة على جميع الأمم كما جعله الله تعالى مهيمنًا على ما تقدمه من الشرائع، وذلك ينافي رضى أهله و حملته بتسلط غيرهم من الأمم عليهم، وكان هذا في تلك الأقوام طبيعة ألفوها وأنفة اعتادوها كما يعلم في قراءة أخبارهم قبل الإسلام، فلما جاء الإسلام آمرًا بالجهاد في سبيل الله وافق الأمر الشرعي محلًا قابلًا وطبعًا مواتيًا، فبلغ من تحصيل المطلوب غاية النهاية، ولذى كان للصحابة -رضي الله عنهم- كما تقرأ في تراجمهم وأخبارهم من الشجاعة والائتمار بأمر الله تعالى ما لم يكن مثله لأحد من القرون الخالية، ولا يجتمع اجتماعه فيمن بعدهم إلا أن يشاء الله حتى فتحوا بذلك البلاد شرقًا وغربًا مع قلة عددهم بالنسبة لغيرهم من لأمم التي قاتلوها حتى علت كلمة الله وظهر دينه على سائر الأديان في أقل من ثلاثين سنة والحمد لله رب العالمين.

فإذا جمعت بين هذا الذي ذكرناه وبين قول معاوية رضي الله عنه:"يا معشر العرب والله لئن لم تقوموا بهذا الدين فغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به"ظهر لك معنى مهم في قوله هذا، وأنه لا ينحصر في أن القرآن نزل بلغتهم كما قد يُظن، بل يتناول ما فيهم من مكارم الأخلاق والصفات والطبائع التي لا تتوفر في غيرهم توفرها فيهم، والله يخلق ما يشاء ويختار، وهذا الذي قلناه ليس من قبيل الدعوة لإحياء العروبة الجاهلية التي يُنادى بها في هذه الأيام؛ وإنما هو حديث عن اصطفاء الله تعالى واختياره وعن سننه الكونية، والسنن الاجتماعية في عباده، واستجلاء وجه الحكمة في قضائه وقدره، مع أن المحققين من العلماء كابن تيمية وغيره يذهبون إلى أن جنس العرب أفضل من جنس غيرهم -عسانا بذلك نستنهض الهمم ونوقظ الغافل ونرد الأمور إلى نصابها- فإن من اختارهم الله تعالى لحمل رسالة الإسلام في مهدها ونشرها بين العالمين يتعين عليهم المحافظة على مكانتهم التي اختصهم الله تعالى بها، فإنهم رؤوس الناس في حمل الأمانة لتبليغ دعوة الإسلام، وفي صلاحهم صلاح غيرهم من الأمم، نعم وفي غير العرب من المسلمين من الفضل ما لا ينكر {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} [1] ، والله يخلق ما يشاء ويختار.

(1) المدثر: 31

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت