الصفحة 25 من 33

وفي هذه الآيات موعظة لأهل الإسلام وشفاء لهم مما ابتلوا به من تسلط أعدائهم عليهم بالاستيلاء على بلادهم، وانتهاب خيراتها، وما يصنعونه بأبنائهم من القتل والأسر؛ فإن ذلك بما كسبت أيديهم من الإعراض عن أحكام الشرع الإسلامي المطهر، وتعطيلها في أمصار المسلمين، والتهافت على قوانين الإفرنج وتشريعاتهم، وتحكيمها في السياسات والدماء والأعراض والأموال، مع ما جلبه ذلك من تعطيل ركن الإسلام الذي هو الولاء للمؤمنين والبراءة من الكافرين لأن الإنسان لا يتحاكم في صغير أموره وكبيرها إلا إلى ما يعتقد تعظيمه ويدين بالتبعية له، وبذا ترى من حال كل قائم على هذه التشريعات ذابٍّ عنها أنه من أعظم الناس ولاء لمشرعيها، ومن أشدهم حربًا على من يحاربها وينهى الناس عنها، فلهم حظ وافر من قوله تعالى: {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [1]

كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا ذكر لكفار قريش بأن الله واحد لا شريك له، أو ذكر المسلمون كلمة التوحيد لا إله إلا الله، أو ذكروا بأن الله إله الناس وحده لا شريك له ولم يذكروا معه أصنام المشركين اشمأزت قلوبهم ونفروا إلى الاقتصار على ذكر الله وحده ولا يرضون بالسكوت عن وصف أصنامهم بالإلهية، وهكذا شأن هؤلاء الذين نصَّبوا أنفسهم آلهة للبشر يُحلون لهم ما شاؤوا ويُحرمون عليهم ما شاؤوا، وشأن من يدين بالطاعة والولاء لهم تشمئز قلوبهم إن دعوا إلى شريعة الله تعالى، ويسمونها ويسمون الداعين إليها بالألقاب المنفرة والنعوت المشعرة بالتنقيص لها، فمن خلع عنه رداء الحياة والدين جملة واحدة زعم أنها قد عفا عليها الزمان، وأنها لم تعد صالحة لرعاية مصالح البشر دينًا ودنيا وأقلهم سوءًا من يتمحل للإعراض عنها بأنواع من التأويلات الفاسدة، وضروب من اللعب المقتبس من عقائد الرافضة والباطنية، وفي مقابل ذلك تراهم يعظمون التشريع الوضعي، ويجعلون له فقهًا وفقهاء يسمونهم فقهاء القانون، ويقيمون له من الرسوم والعوائد الدالة على تعظيمه ما لا يخفى على ذي عينين، يفعلون هذا مع ما جرته هذه الشرائع المخترعة من نقص لأصول الشرع الإسلامي الحنيف، ونقض لها مضاهاة لله في أحكامه وإشراكًا به في توحيده وإبطالًا لركن الدين الذي هو الولاء للمؤمنين والبراءة من الكافرين، وتعطيلًا لفريضة الجهاد التي شُرعتْ لإقامة التوحيد وفرض الصغار والجزية على الكافرين، وذلك هو مقتضى ما تمليه هذه الشرائع الكافرة الفاجرة، والسياسات الظالمة الجائرة، ومع هذا كله فلا تكاد ترى من المسلمين بل من علمائهم لهذه الداهية المدهية مُنكِرًا لطول عهد الناس بهذه البلية أولًا، ولأن المصرح بإنكار ذلك يؤخذ على إنكاره بالنواصي والأقدام ثانيًا، إذ إنكار ذلك يقتضي الإنكار على القائمين على تلك الشرائع والسياسات ولا بد فهو هدم لبنيانها، واقتلاع لجذورها، وتطهير للبلاد والعباد من جرثومتها؛ فإن مثلها كما قال ربنا تبارك وتعالى: {كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ} [2] على أن العلماء لا يسعهم ترك ذلك ولا السكوت عليه، وأية مشاقة لله ورسوله أعظم من هذا، ولذا اقترن تسلط الأمم الكافرة والاستيلاء على بلاد الإسلام وفرض قيود التبعية عليها ووقوع القتل والأسر لأبنائهم بحصول هذه الفاقرة في بلادهم مصداق قوله تعالى: {ومَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} ، والواجب على المسلمين خاصتهم وعامتهم أن يتداركوا إنكار ذلك، والعمل على إقامة أحكام الشرع المطهر ليتداركهم الله برحمته، ويرفع عنهم وعن أمة المسلمين ما حل بها والله غفور رحيم.

وقوله تعالى في الآية {فَذُوقُوهُ} صيغة الأمر هنا للشماتة بالكفار والإهانة لهم، والمعنى ذلكم الضرب للأعناق والعقاب الذي أصابكم فذوقوه، وأن لهم عذاب النار في الآخرة مع الكافرين، والله أعلم، والحمد لله أولًا وآخرًا.

(1) الزمر: 43

(2) إبراهيم: 26

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت