وكان بين المدينة والمكان الذي ينزل فيه القيصر مسيرة شهر تقريبًا، وقال ابن كثير في البداية والنهاية قيل: كان إذا عزم على غزوة قوم أرعبوا قبل مجيئه إليهم، ووروده عليهم بشهر -صلوات الله و سلامه- عليه دائمًا إلى يوم الدين، وذكر ابن عابدين في رد المحتال عن السيوطي أنه حديث متواتر، وقد جوز الحافظ في الفتح احتمال بقاء هذه الخاصية لأمته من بعده، والمراد كما قال في موضع آخر الرعب وما ينشأ عنه من الظفر بالعدو، وما رجحه الحافظ احتمالًا هو الصواب -إن شاء الله تعالى- بشرطه من البقاء على الطاعة ولزوم ما أُمروا به، قال السيوطي في شرح النسائي:"وقد بقي آثار هذه الخاصة في خلفاء أمته ماداموا على حاله والله تعالى أعلم"، وقال في فيض القدير:"وفي اختصاص أمته بذلك احتمالاتٌ رجح بعضهم منها أنهم قد رزقوا منه حظًا وافرًا"، ثم حكى عن ابن جماعة أنه جاء في رواية أنهم مثله، وفي التاريخ الإسلامي وأخبار الفاتحين والقادة من المسلمين المجاهدين كثير مما يشهد لصحة ذلك ولله الحمد.
وقد ذكر ابن خلدونٍ أن الرعب الذي نصر به كان سببًا للفتوحات الإسلامية زمن أصحابه -رضي الله عنهم-.
حكى ابن بطال في شرح البخاري عن المهلب قال: (ورأينا ذلك عيانًا) ، أخبرنا أبو محمد الأصيلي قال:"افتتحنا برشلونة مع ابن أبي عامر وهي من بلاد الأندلس ثم صح عندنا بعد ذلك عن من أتى من القسطنطينية أنه لما اتصل بأهلها افتتاحنا برشلونة بلغ بهم الرعب إلى أن غلقوا أبواب القسطنطينية ساعة بلوغهم الخبر بها نهارًا وصاروا على سورها وهي على أكثر من شهرين".
وفي آل عمران ذكر إلقاء الرعب في نفوس المشركين {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ} [1] ، وفيه دليل على أن الرعب جزاء دنيوي رٍتب على الشرك بالله تعالى، وذلك من حكمته -عز وجل- أن جعل للأمور المستقبحة آثارًا مستقبحة كما ذكر هنا، ولذا بين في الآية الأخرى أن الأمن مع التوحيد {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [2] فدل هذا على أن الإتيان بالتوحيد الذي بعثت به الرسل -عليهم الصلاة والسلام- من أعظم أسباب النصر والتمكين، فمن لم يلبس إيمانه بظلم مطلقًا لا بشرك ولا بمعصية حصل له الأمن التام والهداية التامة، ومن لم يلبسه بالشرك ولكنه اقترف المعاصي والسيئات حصل له أصل الهداية وأصل الأمن وإن لم يحصل له كمالها.
وفي القرآن قذف الرعب في خبر بني قريظة كما في سورة الأحزاب، وبني النضير كما في الحشر.
ثم بين سبحانه أن جميع ما ذكر في الآية من العذاب الذي لحقهم إنما هو بسبب ما هم عليه من المُشاقة لله ورسوله -عليه الصلاة والسلام-، والمشاقة هي العداوة أًخذت من شقِّ العصا وهي المخالفة عصيانًا وعنادًا لما جاء به الشرع، وقوله: {مَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} دليل على أن كل من وقعت منه المشاقة لله ورسوله فهو مستحق للعقاب المذكور كائنًا من كان، فهو تذييلٌ يعمُّ كل من يشاقق الله، كما يعمُّ كل أصناف العقائد والضلالات الخارجة عن هدي الإسلام، ولم يقل في الآية (ومن يشاقهما) فأظهر المُضمر إيذانًا بمهابة المقام وإظهارًا لعظيم شناعة ما اجترؤوا عليه وإشعارًا بعلة الحكم, وقيل معناه شاقوا دين الله وأولياء الله، قال البقاعي تقديره فمن شاق الله ورسوله فافعلوا به ذلك فإني فاعل به ما فعلت بهؤلاء انتهى.
وأول هذا العقاب عذاب الدنيا من القتل والأسر والاستيلاء عليهم، وإنما صرح بسبب الانتقام تعريضًا للمؤمنين ليقبلوا على طاعة الله ورسوله ويستزيدوا منهما؛ لأن المشاقة لما كانت سبب هذا العقاب العظيم فيوشك ما هو مخالفة للرسول بدون مشاقة أن يوقع في عذاب دون ذلك، وعكس هذا وهو الطاعة والمتابعة والتزام أوامر الشرع موجب لحصول الخير.
(1) آل عمران: 151
(2) الأنعام: 82