وفي الآية إلماح لحسن ارتياد القائد للمواقع التي ينزل فيها الجيش وأن عليه تفقده، والنظر في صلاحيته للقاء العدو، وأن يهيأ فيها ما يحتاج إليه عند القتال من خنادق ونحوها، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد استشار أصحابه في موضع نزوله في بدر، وهكذا كان يفعل أمراء المسلمين وممن حكيت عنه العناية البالغة بذلك صلاح الدين -رحمه الله- كما حكى ابن شداد في النوادر السلطانية فقد كان يسبق العدو إلى المكان الذي يتوقع فيه اللقاء بالعدو ليتفقد المكان وهل يصلح للقاء أم لا، حتى أنه تفقد مرة أرض قيسارية بتمامها للغرض المذكور.
ومما أغاثهم به سبحانه ما أوحى الله تعالى به إلى الملائكة من أنه معهم بالعون والنصر والتأييد تقدمة لتشريفهم وتكليفهم لعمل شريف وهو المذكور بعد فاء الترتيب بقوله تعالى: {فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا} ، وهو عمل من خوارق العادات أنه يحيل الجبن شجاعة، والخوف إقدامًا في جانب المؤمنين، ويحيل البطر بالعزة والإثم رعبًا في قلوب الكافرين، وفي قوله {فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا} دليل على أن الباعث على هذه العناية والإكرام ووصف الإيمان، وإنما خصت الأعناق بالضرب لأنها إتلاف للمشركين، وضرب البنان يُراد به الأصابع، خُصت بالذكر لأن السلاح يُمسك بها وبضربها تعطل منفعة اليد فإن ضربت اليد كلها فذلك أجدر.
قال بعض العلماء -رحمهم الله-:"علم الله تعالى المؤمنين في هذه الآية كيف يقتلون وكيف يضربون وذلك شرف عظيم لهم"، وأفادت الآية أن إزهاق النفوس وإتلاف الأعضاء في الجهاد إنما هو بأمر الشرع فلا يجوز لأحد أن يتعدى المشروع من ذلك، والأصل في الدماء العصمة فلا يُستباح منها شيء إلى ببرهان من كتاب أو سنة، فلا يجوز قتل الذمي ولا المعاهد ولا المستأمِن، ولا يجوز قتل من اعتزل القتال من الرهبان وشيوخ المشركين ولا قتل النساء ولا الصبيان منهم إلا إن باشروا القتال، أوكانوا من أهل الرأي في الحرب، أو كان الصبي أو المرأة ملكًا في قتله كسر شوكة أهل الحرب، أو كان ذلك في البيات كما هو مُفصلٌ في كتب الفقه، والقول الجامع الذي ينبغي أن يستقر في النفوس أن الجهاد في سبيل الله عبادة مقيدة بآداب واجبة يحرم تجاوزها حتى لو أمر قائد الجند بها فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، والغاية من الجهاد إخضاع الناس لسلطان الشرع وأحكامه لا إجبارهم على الاعتقاد بها فلا إكراه في الدين، وليس هو لإرادة القتل وسفك الدماء، ومن أعظم المنهيات فيه خفر العهود فإن ذلك موجب لتسلط العدو وتحريم الغلول لأنه سبب لإلقاء الرعب في القلوب، وسيأتي مزيد تفصيل حول هذه المواضع في أماكن أخرى من السورة -إن شاء الله تعالى-.
وهذا الذي وقع في نفوس المؤمنين يوم بدر من الظن بأنهم منصورون إنما كان إلهامًا وتثبيتًا من الله تعالى وإرشادًا إلى ما يُطابق الواقع، وليس خاطرًا كاذبًا، ولا غرورًا، وهذه الأمور أصلٌ فيما على قائد الجند أن يصنعه مع المجاهدين قبل القتال يُشجع الخائف حيث ينبغي الإقدام ويُحتاج إليه، ويحثه على التوقي والحذر حيث ينبغي ذلك، وعكس هذا تضليل عن الواقع وتخذيل، وقد قيل: (الفرار في وقته ظفر، والقتال في غير وقته عناء) .
ومنها إلقاءُ الرعبِ في نفوس الكافرين، وفي الصحيحين من حديث جابر -رضي الله عنه-: (أُعطيتُ خمسًا لم يعطهن أحد من قبلي: نُصرتُ بالرعبِ مسيرة شهر ... ) الحديث [1] [2] ، وصح عند البيهقي من حديث أبي أمامة"من مسيرة شهرين"، وعند الطبراني من حديث سائد ابن يزيد"شهرًا أمامي وشهرًا خلفي"
ويؤيد هذا ما في خبر أبي سفيان مع هرقل ملك الروم لما سأله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال أبو سفيان:"لقد أَمِرَ أًمْرُ ابن أبي كبشة إنه يخافه ملك بني الأصفر"
(1) صحيح مسلم (521)
(2) صحيح البخاري (335)