الصفحة 17 من 33

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فإنني أقول تفريعًا على ما مضى في المجلس السابق، وهو المجلس الثاني من مجالس التفسير إنما أعظ علماء المسلمين ودعاتهم بواحدة أن يخرج الواحد منهم إلى الثغور مرة، وأن يغبر قدميه في سبيل الله ساعة، وأن يحرس في سبيل الله ليلة، وليكتب من هناك نداءً إلى أمة المسلمين يذكر فيه ما لهم وما عليهم مما يفتح الله تعالى عليه به، ومما يمليه عليه قلبه و خلجات نفسه، ولينظر بعد ذلك أيجد فرقًا بين ما سطره هناك وبين ما كان يكتبه متكئًا على أريكته آمنًا في بيته وسربه؟

إن كلمة الحق حتى تخرج حرة نقية تلامس أسماع الناس وقلوبهم تحتاج أولًا -بعد إخلاص الوجه لله تعالى- أن يتخلص صاحبها من كل قيد يحول بينه وبينها، وكما أن الإلف والعادة من القيود، فكذلك طغاة الأرض والظلمة وأعوانهم ممن تسلطوا على بلاد الإسلام فلم يبقوا موضعًا لرحمة، ولا محلًا لشفقة إلا بالقدر الذي يضمن لهم التنعم بالملك والسلطان، هؤلاء من أعظم القيود كذلك، فإمَّا الصدع بكلمة الحق وتحمل التبعات والتكاليف، وإما الهجرة في سبيل الله التي هي سر عظيم من الأسرار التي جعلها الله تعالى سببًا لحياة المخلوقات والأمم.

إنه لا لوم على من شروا دينهم بعَرَضٍ من الدنيا، قليل ممن تتجارى بأحدهم الأهواء تجاريَ الكلب بصاحبه من السياسيين والإعلاميين ومن على شاكلتهم أن تنشغل إذاعاتهم عشية سقوط كابل في أيدي الصليبيين بأخبار المغنين وحفلات المجون والمترفين أو بأخبار عبيد الكرة الذين لا تزال عقولهم قرينة أقدامهم، ولا أن ينصرف إعلامهم وقت العدوان على المسلمين في غزة إلى أحاديث الراقصات اللواتي قمن على ملهاة الساسة الذين يصرون على الحنث العظيم حتى قطعوا بهنَّ الليالي لهوًا ولعبًا فكأنما كنَّ يرقصن على آهات الثكالى وأنَّات اليتامى والقوم سُكارى يصفقون ويعبثون، لا لوم على هؤلاء وأمثالهم لا لأنهم ليسوا مكلفين، بل لأن أمثال هؤلاء ليسوا من أمة المسلمين أصلًا، وإن انتسبوا إليها اسمًا ورسمًا، أولئك الغارقون في حمأة الهوى، الشاربون من حُمَيّ الشهوات حتى رقَّ دينهم رقة الهواء، من لا حظ له من الدين والأخلاق إلا كحظ الجائع من النسيم، والحمار من البرسيم، غرابيل لا تحفظ ذمةً ولا عهدًا، ترى واحدهم يفرُّ من الفضيلة فرار النعامة، ويُقبل على الرذائل فهدًا، عرفوا سبيل الرشد فخانوه وأهانوه، واتخذوا سبيل الغي سبيلًا فلازموه ولاينوه، فمن أمنهم وأيّمُ الله على أعراض المسلمين فقد أمن الذئب على الحمل، ومن رضي عنهم وشايعهم حمل من أوزارهم وأوزاره ما حمل، وقد كثروا وتناثروا في أمصار المسلمين تناثر الأذى على قارعة الطريق، وإماطة الأذى عن طرق المسلمين أدنى شعب الإيمان، والإيمان بها حقيق وخليق.

وإنما اللوم والله على من يُنعتُ بالمفكر الإسلامي الكبير ثم كلما تكررت حوادث غزة وأمثالها فقيل له: ما الخلاص منها، وما الذي على المسلمين أن يفعلوه؟، أجاب بأن غاية ما يقدرون عليه هو الدعاء وجمع المال، وعامة المسلمين مغلوبون على أمرهم قد يعذرون نعم، لكن أن يكون ما يقوله المفكر الكبير -أثابه الله- غاية ما ينتهي إليه جلُّ المنتسبين إلى الفكر والعلم والدعوة في العالم الإسلامي ومنذ تسعين عامًا إلى يومنا هذا، وعدو الدين لا يزداد إلا طمعًا في أهل الإسلام وعدوانًا عليهم، ثم لا يكون من القوم غضبة عُمرية تأطر القائمين على بلاد الإسلام على الحق أطرًا، وتنهض باقتلاع الظلم الجاثم على رقاب المسلمين، و تزيل الشيخ الهِمّ عن ظهر المُهر الكريم العتيق، وتقود جموع المسلمين الذين هم مادة الإسلام إلى نصرة المستضعفين من المؤمنين، هذا لعمرُ الله خللٌ يوجب الوقوف عنده، وعَرَضٌ ينبؤ عن داء عضال تغلغل في أنحاء الجسد يتوجب الكشف عنه بمسبار قول رسول الله -صلوات الله وسلامه عليه-: (سلط الله عليكم ذلًّا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت