البلغم فيرى أمطارًا وغيومًا ومياهً وهو لا يعقل من ذلك شيئًا، فأغمض عينيه ثم فتحهما فلم تزدد الصورة إلا جلاءً، ثم أغمضهما وفتحهما ثانية، فثالثة، فرابعة، وهو يكاد يتهم لبَّه لعل مكروها أصابه! اللهم إن كذبني الناس أتكذبني عيني! وان خدعوني أيخدعني سمعي وأذناي!
كلا، كلا فثمت زهر وأريج، وحقول ومروج، وسماء وبروج، واحسرتاه على سنيّ الماء والشعير، ثم مدَّ صهيله، واستقبل من الهواء عليلة، ثم نكت الأرض بحافره وفحص، ثم قمص ورقص، وتذكر الشيخ الهرم وقال: لا رحم الله إلا من رحم، ثم استن شوطين لم يلبث أن جعلها وترًا وراح يزيد واحدًا فواحدا، هكذا دواليك تترا، ولم يلبث الشيخ أن استيقظ من منامه، وأخذ في جمع حوائجه إذ رأى في ناحية الجبل دبًا عظيم الجثة مقبلًا نحوهما، فقام يعدو وينادي: هلمّ يا مهري، هلمّ النجاة النجاة! فأقبل المهر وقال: ما شأنك؟، فقال: وإنه لمنكر سؤاله العدو ألا تراه قد أقبل وعليك في الخلاص بعد الله المعول، فبادره ولم يمهله وقال: يا شيخ خلِّ عنك، واذهب إلى حال سبيلك فالموت لا يكون إلا مرة، وساعة من كرامة تنتهي بالموت خير من حياة مُرَّة.
وهكذا الجهاد في سبيل الله وهكذا شأن من يتذوق العزة ويتقمص الكرامة، وهكذا يقع بإحياء فريضة الجهاد لمن شاء الله تعالى من المسلمين، وإنما سرُّ النجاح وماء الحياة في أن يتخلص المرء من قيود العادة، وأغلال الظلم التي قيدته حتى صارت به وبالمسلمين إلى الحال الذي نراه، والله أسأل أن يهيأ للمسلمين خطة رشد يكون بها إحياء هذه الفريضة العظيمة، والشرعة القويمة فإن في إحيائها حياتهم، وسعادتهم في الدنيا والآخرة.
وصلى الله وسلم وبارك على محمد النبي الأمِّي، وعلى آله وصحبه أجمعين.