الصفحة 15 من 33

ومنها وهو متمّمٌ لما قبله أن العدو قد حرص لتمرير كثير من تآمره وكيده على ظاهر مزيف يتبدى به لأهل الإسلام في صورة تصرف الأنظار عما يرمي إليه، يساعده في ذلك من أُشرب قلبه من أبناء أمتنا محبته والولاء له، حتى أن العلماء -وفقهم الله- قد جهدوا في تبيين هذه الحقائق للناس على ما أصابهم لأجل ذلك من المحن والشدائد، فلما وقع من هذه المعركة ما وقع انحسر لثام الزيف عن وجهه، وبدا منه ما كان يخفيه، وظهر بغضه للإسلام وأهله، ولاح لهم عداؤه في أقواله وأفعاله، حتى لم يعد ذلك خافيًا على العامة من المسلمين -ولله الحمد-، وهذا الذي جعل الناس يُقبلون أفواجًا على عدوة الإسلام وأهله، وينحازون إلى المجاهدين الذابين عن سبيله، حتى أنك لترى الحرب كلما ازداد أُوارها، واشتعل ضرامها، يزداد إقبال المسلمين عليها، وما ذلك إلا لما ذكرناه من ظهور حقيقة العدو التي حاول إخفاءها عن أبناء المسلمين، وهذه الثمرة وحدها من محاسن الثمار التي يأتي بها الجهاد في سبيل الله، وفي التاريخ الإسلامي نظائر كثيرة لمثل هذه -ولله الحمد-.

ومنها ما يقع بالجهاد في سبيل الله من إحياء هذه الفريضة بين المسلمين بعد أن كادت تصبح نسيًا منسيًا حتى قرأت كلامًا لبعض كبار العلماء يقول فيه: (إننا قبل هذا بزمن لم نكن نرى حاجة لدراسة فقه الجهاد وأحكام؛ لأن الجهاد لم يكن له وجود يومها) أو كلامًا نحو هذا وقياسا على كلام الشيخ رحمه الله فكل بلدة لا يقام فيها شرع الله تعالى، ولا يرجع القضاء فيها إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله -صلوات الله وسلام عليه- فلقائل أن يقول لا حاجة بأهلها إلى تعلم أحكام القضاء في الشرع، ولو كنا كلما ترك الناس حكمًا من أحكام الشرع أعرضنا عن دراسة فقهه وتعليم أحكامه لغابت من حياة الناس كثير من أحكام الشرع وأندثرت تعاليم الإسلام، بل تعلم أحكام الشرع وتعليمها للناس من أعظم أسباب إحيائها ودعوة الناس إليها خاصة إذا وقع ذلك مع بيان محاسنها، وإظهار ما تنطوي عليه من الحكم والأسرار وإقامة البراهين النقلية والعقلية على صحة ذلك بلغة تناسب العصر الذي نعيش فيه.

وأقول لله أولًا ثم للتاريخ، ثانيًا لقد مرت بالمسلمين سنوات طوال خداعات عمل الكيد فيها على زعزعه معاني العزة والكرامة والإباء في نفوس كثيرين من أبناء أمتنا، حتى بلغ الحال بأناس بيننا أن أصبح الشعور بالذلة والهوان إلفًا وعادة وطبعًا يصعب عليه مفارقته، وكم من الناس من يألف ما يُتلف، ولا علاج لهذا الداء إلا أن يتذوق المرء حلاوة الدواء، والدواء هو الجهاد في سبيل الله، وإنما مثل هذا كمثل رجل أصابه من المرض ما أن طال به أودى بحياته وأهلكه وقد علم أن دواءه في العسل لا محالة، وإنما تسلط عليه من يسعى في حتفه والقضاء عليه فجعل يصف له العسل بأوصاف تنفره منه حتى استقر في ذهنه وقلبه أن العسل كالحنظل طعمه مرٌّ وريحه مرٌّ، وجعل من يريد به الخير ويرجو له الشفاء يقول له: تناوله فإن فيه دواءك مما أنت فيه، فيأبى عليه ويمتنع منه، ثم يقوله له: في الثانية -رحمة به- فتناول منه جرعة واحده فإنها إن لم تنفعك لم تضرك، ثم لم يزل به يحثه عليه ويحرضه على تناوله حتى صار به إلى أن يتذوقه بطرف لسانه فلما ذاقه لم يبرح يطلب المزيد منه حتى أصبح على خير ما يرجوه له المشفق الناصح من الحال.

ومثال آخر غير مثالي هذا وأحسن منه يُنسب إلى لقمان الحكيم -رحمه الله- يحكي أن شيخًا هرمًا قد اتخذ مُهرًا عريق الأصل كريم النسب لحاجته، فكان الشيخ لا يزال يجيعه ويودأبه -أي يكثر ركوبه والعمل عليه-، فلا هو بالذي يأبه له، ولا هو بالذي يرحمه ويشفق عليه، وقد جعل طعامه حفنتي شعير وقليلًا من الماء، وطال الأمد بالمُهر وهو على حاله هذا فما عاد يرجو له تبديلًا، ولا يطلب عما هو فيه تحويلًا حتى تمثلت الدنيا بين عينيه في الشعير والماء، فلو أن سائلًا سأله عنها وقدَّر له أن يجيب لذكرهما ولا مزيد، فلما كان في بعض الأيام يمَّم الشيخ وجه مُهره نحو قرية أخرى لبعض حاجته، فأتيا في الطريق على روضة غنَّاء قد جاوزت مدارك الأبصار أرجاؤها، وتناثرت أزاهيرها، وقد تقاسمتها أنحاؤها، تداولها خيوط الشمس تارة، وعذب النسمات أخرى، فخلَّا الشيخ مهره وأوى إلى ظل شجرة يطلب الراحة والمقيل، فإن المهر لواقف ينظر إلى الشيخ مرة، وإلى الروضة مرة، وهو يحسب أن الذي يراه إنما هو لغلبة الإعياء عليه كمن تغلبه الصفراء فيرى في منامه صفرة كثيرة وشموسًا ونيرانًا، أو يتمكن منه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت