ثم نزيد نحن في هذا الموضع فنذكر من المصالح الكلية والمقاصد الجامعة الحاصلة بمجاهدة عدو الإسلام ما لعله يغيب عن كثير منهم وفي ذلك ذكرى للذاكرين، منها امتثال أمر الله تعالى بالقيام بما فرضه من الجهاد في سبيله فان، امتحان الناس بالطاعة والمعصية من مقاصد الشرع الكريم، والجهاد من فروض الأعيان بالكتاب والسنة وإجماع علماء الملَّة في مثل الحال الذي يعيشه المسلمون اليوم، ومنها أن سنة الله تعالى قد جرت في هذا الكون على التمييز بين الحق والباطل وتلك غاية الرسالات وإنما شرع الجهاد في الإسلام وسيلة إلى تحقيق هذه الغاية كما قال سبحانه: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [1] ، وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} [2] ، ولا قيام للدين إلا بهذا التمييز وتلك الاستبانة؛ فالجهاد من هذا الوجه متعلق بالتوحيد الذي أمر الله -تبارك وتعالى- به، ولا يقبل من أحد دينا سواه، والجهل بالسبيلين وعدم التفريق بينهما من أعظم ما يضر بأهل الإسلام، وكل الدعوات التي تهدف إلى نقض هذا الأصل إنما يساعد على الترويج لها الجهل به، فالدعوة إلى السلام، أو التطبيع، أو ما يعرف اليوم بحوار الأديان في صورته المطروحة مثلًا تعني القضاء على عبادة الجهاد في الأمة بل تعني نقض ركن التوحيد الذي هو الولاء للمؤمنين والبراءة من الكافرين، وخطة العولمة محو للصبغة الحضارية التي تميز أمة المسلمين عن غيرها، وإذابة لها في فساد الحضارة الغربية، وإحياء فريضة الجهاد حماية للأمة من هذه المؤامرات ولإن كانت الحماية تقع بنشر الوعي والثقافة والعلم أيضًا فإن هذا والجهاد أمران يكمل كل واحد منهما الآخر، ولا يصح الاستغناء عن أحدهما بحال، ومنها وهو متمّمٌ لما قبله أن العالم الإسلامي قد ابتلي في عصره الأخير بسقوط ركنين من أركانه لا قيام له إلا بهما:
1.أما الأول فالخلافة الجامعة، وهي الإمامة التي عرفها الماوردي بأنها خلافة عن النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا
2.وأما الثاني فتنحية الشريعة الإسلامية التي تنتظم أصولها وقواعدها مصالح الدنيا والآخرة عن السياسة والحكم والقضاء
وثمر ذلك تفرق العالم الإسلامي من جهة، وتداعي الأمم الأخرى عليه من جهة أخرى، وانتشار الدعوة إلى العلمانية التي تنادي بفصل الدين عن الدولة والتمكين لدعاتها في بلاد الإسلام، وهي دعوة غربية الصنع لا تقيم في حقيقتها لشيء من دين الإسلام وزنًا، وإنما تتخذ من بعض شعائر الإسلام ستارًا تُخادع به المؤمنين، ومن ثمَّ فهي لا تملك من أمرها شيئًا، فكيف بأمر الأمة ومصالحها؟ بل هي وسيلة لكل دولة تعادي الإسلام قائمة على خدمتها، ساعية في مصالحها، مسارعة في مرضاتها، ولو كان ذلك بمحاربة الإسلام وأهله فأضحت بذلك من أكبر العوائق التي تحول بين الأمة ونهضتها، ولا أدل على ذلك من الحال الذي يُرى ويُشاهد بين حين وآخر من فتح بلاد المسلمين للأعداء يرتعون فيها حيث شاءوا، ويصنعون بالإسلام وأهله ما أرادوا، فدعاة العلمانية من أكبر العون لأعداء المسلمين على تيسير أمورهم، وإنجاح مقاصدهم بالله عليك أي إسلام يبقى مع هذا، وماذا تنفع الصلاة وينفع الصوم والصدقة مع مواطأة أعداء الشريعة، ومظاهرة المشركين على المسلمين؟ وقد عدَّ الأئمة ذلك من أعظم نواقض الإسلام، ففي الجهاد حل هذا كله كما ذكره الله تعالى بقوله: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ}
فإنه لما كان يوم أحد أصيب المسلمين بقرح الهزيمة حتى أظهر المنافقون فرحهم بانتصار المشركين عليهم، وظهر نفاقهم باديًا لا يخفى على أحد، وهكذا يقع اليوم أيضًا فإن العدو لما أجلب بخيله ورجله، وانتصب بزعمه لما يظنه قضاءً على الإسلام وأهله، سارع الذين يتولونه، والمنافقون، والذين في قلوبهم مرض في مناصرته مسارعة الفراش إلى النار فحالفوه، وآووه، وأعانوه، وقد جاهروا بذلك وأعلنوه فبدا من سرائرهم ما كانوا يخفون من قبل ليعلم كل من أراد الله تعالى له الهداية من المسلمين أين محل هؤلاء من الإسلام، وأنهم في وادٍ والإسلام في آخر، والله غالب على أمره ولكن المنافقين لا يعلمون.
(1) آل عمران: 179
(2) الأنعام: 55