الصفحة 13 من 33

(إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلًّا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) [1]

والمتروك في هذا الحديث هو الذي أمرنا بالرجوع إليه، فدل على أن الجهاد هو دين الإسلام، فتأمل في هذا الحديث ترى المذكور فيه عين الذي وقع فيه المسلمون؛ فإن التبايع بالعينة حيلة محرمة تدل على خلو القلب من مراقبة الله تعالى وخشيته، وما ينطوي عليه من إضمار الغش لأهل الإسلام، وذلك مع فشوه وانتشاره من علامات فساد ذات البين في المؤمنين، والأخذ بأذناب البقر يُراد به الاشتغال بالحرث عن الجهاد كما قال محمد بن الحسن الشيباني -رحمه الله-، وهو دليل محبة الدنيا وتقديمها على محبة الله ورسوله -صلوات الله وسلامه عليه-، وهذا يُفضي إلى القعود عن الغزو -كما في فتح القدير-، وترك الجهاد يُفضي إلى أن تألف النفس الجبن والمهانة فيكر العدو عليهم ويطمع فيهم ويجعلهم أذلة، وذكر في (عون المعبود) أن ذلك في زمان يتعين فيه الجهاد -وهو قول حسن-، وأشار في (نيل الأوطار) إلى أن تسليط الذلِّ على تارك الجهاد من قبيل المعاملة بالنقيض فصاروا يمشون خلف أذناب البقر بعد أن كانوا يركبون على ظهور الخيل التي هي أعز مكان في الدنيا، وقد ورد في بعض الإحصاءات المعاصرة ذكر أول الدول اقتناءً للخيول في العالم فكانت الصين، فالبرازيل، فالمكسيك، فالولايات المتحدة في عشر دول ليس بينها بلد مسلم مع أن الشارع أمر باقتناء الخيل وحضَّ عليه، وفي تخصيصها بالذكر في الآية مع أن الإعداد يتناول كل سبب مشروع من أسباب القوة حكم وأسرار تقضي باقتنائها في كل حين نأتي على ذكرها في غير هذا الموضع -إن شاء الله-، فتأمل هذا لتعلم أين كنا وأين صرنا!، وفي (فيض القدير) أن الأخذ بأّذناب البقر كناية عن اشتغالهم بالزرع وإهمالهم القيام بوظائف العبادات، والذلُّ المسلط إنما هو الهوان والضعف، وتأمل كيف جعل هذه الخصال المذمومة من غير الدين وأن مرتكبها تارك للدين كما أن تارك الجهاد تارك للدين، وفي هذا مزيد زجر، وتهويل، وتقريع لفاعله وهو من أقوى الأدلة على حرمة ترك الجهاد والإعراض عنه، فكيف إذا كان الجهاد متعينًا؟ ثم كيف إذا كان يُنهى عنه؟ وكيف إذا كان الناهي عنه سلطانًا يحول بين المسلمين وبين القيام بما افترضه الله على المسلمين منه؟ واستدلالنا هنا كقول الأئمة في هذا الحديث أنه من أقوى أدلة من حرم بيع العينة خلافًا لما عليه الشافعية من القول بالكراهة دون التحريم والبطلان.

ثم يقال في الجواب عما ذكر أنه قد فات من المصالح قد حصلت في مقابل ذلك جملة من المصالح أيضًا وليست هي دون ما ذكروا أنه فات من المصالح بحال إن لم تكن خيرًا منها، ذلك أن العدو لما رأى إقبال الناس على الجهاد في سبيل الله إقبالًا يزداد بحمد الله تعالى يومًا بعد يوم تبين له أيضًا أن في تدخله السافر في شؤون المسلمين سببًا من أهم أسباب خروج الناس عن سياسته التي يحاول فرضها عليهم بعد أن ظن سنواتٍ طوالًا أن طريقته هذه تحول بين الناس وبين ما يخشاه من دين الإسلام؛ فلما لم يجد بدًّا من أن يعدل عن هذه السياسة إلى ما يمكن أن يُسمى سياسة الانفتاح ويراد بها إيجاد البديل الإسلامي الذي يصرف الناس عن الجهاد إلى إسلام لا جهاد فيه، أو إلى إسلام لا علاقة له بالحكم والسياسة، أو ما يسميه هو وبعض المقلدين له الإسلام المعتدل؛ وهو وإن كان يرفض دعوة الإسلام في الحقيقة جملة وتفصيلًا كما قال الله تعالى: {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [2] ، إلا أنه في هذه لا خيار له، وما هذه القنوات الفضائية الإسلامية الكثيرة التي شاعت في السنوات الأخيرة، وما تذيعه وتنشره من الموضوعات الدعوية للصغار والكبار، والسماح للمشايخ بالظهور عليها، ونشر الدعوة من طريقها وفتح كثير من الأبواب التي كانت موصدة أمام دعوة الإسلام إلا من آثار الانفتاح المذكور، ونحن نحمد الله تعالى على ذلك أيضًا، ونراه من تدبير الله تعالى لعباد، ومن مكره -عز وجل- بعدو الدين، ومن لطفه ورحمته للإسلام وأهله، وفي هذه القنوات مهما قيل فيها خير عظيم؛ فإنها سبب لهداية كثير من الخلق إلى دعوة الإسلام، ثم الإسلام هو الإسلام ولا يلبث المرء أن يلج بابه حتى يطلع على محاسنه، ومن محاسنه الجهاد في سبيل الله، فيقال في الجواب عما ذكروا هذه المصالح التي ذكرنا حصولها بتلك التي ذكرتم فواتها بل هي أعظم لو أنصفتم فصرنا وإياكم سواءً في هذه واحدة بواحدة.

(1) صححهُ الألباني في صحيح أبي داود (3462)

(2) البقرة: 217

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت