الصفحة 12 من 33

يكاد يتنبه لذلك إلا آحاد من الناس، على أن الجهاد اليوم إنما هو للذبِّ عن الأعراض وحماية الحوزة، بل هو دفاع عن أسباب وجود الأمة ومقومات بقائها؛ لأن المؤامرة تهدف إلى محو كل ما يميزها عن غيرها من الأمم فضلًا عن إبعادها عن محل الرياسة والصدارة، ولو كُنا في سعة من الأمر وكانت بلاد المسلمين آمنة مستقرة وعدو الدين مقموعًا مخذولًا لكان لكلام اللائم وتخوفه على ما يفوت من المصالح وجه معتبر يستحق معه أن يلتفت إليه، أما ونحن عرضة لكل ناهب، ومغمز لكل طامع، نرمى عن قوس واحدة، وتتطاول علينا أخس أمم الأرض وأحقرها، وتُقتطع منا بلادنا واحدة تلو أخرى، فعن أي مصلحة نتحدث؟!

عن منع بناء المساجد في العواصم الأوربية والمساجد تهدم في بلاد الإسلام، وقبلتنا الأولى وثالث أشرف مساجدنا أسير اليهود قتلة الأنبياء وأعداء الرسل؟!

أم عن دور الأيتام التي أغلقت في بلادنا وعدونا ييتم الآلاف من أبنائنا فنخلي نحن بين عدو الدين يقتل الآباء ويستحيي الأمهات ثم نبني نحن دور الرعاية لأيتامهم؟!

أم عن هيئات الإغاثة التي حيل بينها وبين تقديم الأدوية المستوردة لجرحى المسلمين؟ وحسب الراعي أن يداوي ما أصابه الذئب من الماشية فإنه لو اشتغل بدفع الذئب عنها كان مضيعًا لمصلحة المعالجة والمداواة ولا عليه مادام الدواء حاضرًا فليصنع الذئب ما يشاء؟!

أم عن آبار المياه التي تعطل المحسنون عن حفرها ومياهنا قد أصبحت غورًا بما انتشر من الظلم الذي لا يرضاه الله تعالى حتى صارت خيرات البلاد تُباع لعدوها بأبخس الأثمان خدمة لأهواء السادة العبيد؟!

أم عن المعاملات التجارية التي عُطلت وقُيدت بالمزيد من القوانين وخزائن الغزاة المعتدين على بلاد الإسلام تنوء بما يحمل إليها من أموال بلاد الإسلام وعلى حساب ما في البلاد الإسلامية من جهل وفقر ومرض؟!

أم عن المحاضرات التي مُنع من إلقائها ولا علاقة لها بسياسة، ولا حكم، ولا حاكم، ولا دولة، ولا أمة، ولا جهاد، فهذه مصلحة لا ينبغي أن تفوت وإن فاتت شريعة الإسلام كلها وغُيبت عن حياة المسلمين؟!

فهذه المصالح المذكورة وأمثالها لابد أن تقارن بغيرها من المصالح المعتبرة في الشرع حتى يستقيم الميزان على ما يحبه الله تعالى ويرضاه، وذلك لا يحصل إلا بأمور ثلاثه:

1.تجرد العبد عن حظوظ النفس والهوى

2.وإحاطة بقواعد الشريعة ومقاصدها

3.ومعرفة أسباب ما يجري من الوقائع والحوادث واطلاع على أهدافها وغاياتها.

فعلى من ذكر فوات شيء من المصالح بالجهاد، وزعم ذلك من المفاسد التي يُترك الجهاد لأجلها أن يذكر أيضًا المفاسد الواقعة بترك الجهاد والإعراض عنه من تسلط الأعداء على بلاد الإسلام، إما تسلطًا مباشرًا كما يقع في فلسطين وغيرها، وإما غير مباشر عن طريق وكلائه وأنصاره ومحبيه وأعوانه في بلاد المسلمين من الحكام والمحكومين الذين لا يرفعون بدين الإسلام رأسًا، ولا يقيمون له في حياتهم ولا حياة الأمة وزنًا، وإن فعلوا فبما لا يتعارض مع مصالح طغاة الأرض الذين يحرصون على بقاء الأمة في قيود التبعية السياسية والثقافية والاقتصادية، وحسبنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت