الصفحة 3 من 33

بسم الله الرحمن الرحيم [1]

الحمد لله الذي أنزل إلينا كتابًا محكم الآيات، وأرسل إلينا رسولًا نبيًّا أميًّا أمينًا جاءنا بأشرف المعجزات، وجعل رسالته آخر الرسالات، ونبوته خاتم النبوات، فصلاة الله وسلامه عليه ما أشرقت بنوره الأرض والسموات، وعلى آل بيته الطاهرين السادة السادات، ورضي الله عن صحابته الذين خاضوا في سبيل الله أحشاء الليل وبطون الفلوات, جعلنا الله على آثارهم ورزقنا إتباع هديهم إلى الممات، وجمعنا وإياهم تحت لواء سيد المرسلين في ظل عرشه وفي عرصات الجنات، آمين.

أما بعد:

فإذا كان كتابُ الله تعالى مشكاةَ العلم، ومصباحَ الهداية للخليقة في لجّةِ الدنيا ودياجيرِها، وكان المرء على قدر تعلقه بكتاب الله تعالى وعملِه بما فيه يضيءُ قلبه، وينير عقله، وتشرق نفسه، فإن وراء ذلك أن هذا الكتاب ماء الحياة، وهو سر القوة التي تدفع بالمؤمن إلى السعي في حمل ما كُلِّف به من أمانة العبودية لله ورسالة إبلاغها للناس، فلا جرم أن قال سبحانه: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} [2] ، فسماه روحًا، والروح: ما به حياة الجسد؛ شبَّه هداية عقولهم وقلوبهم بعد الضلالة بالروح إذا حلت الجسد فانبعث حيًّا بعد أن كان جثة هامدة لا حراك فيها، وهكذا شأن الشرع فإن فيه من الحياة ما يعود عليهم بالنفع في الدنيا والآخرة، وقد شبّه النبي - صلى الله عليه وسلم - من لا يقرأ القرآن بالبيت الخرب فدل على أن القلب إنما يَعْمُرُ بدين الله وشرعه.

وكما أن ذلك شأن الفرد فهو شأن الأمة فإنها معتبرة به ومقيسة عليه؛ فالأمة لا حياة لها إلا بشرع الله وأحكامه، وبذلك تعلم سبب ما حلَّ بها وما صار إليه حالها لما استبدلت الذي هو أدنى من الشرائع الوضعية في الأحكام والسياسات بالذي هو خير من شريعة ربِّ البرية وإنما مَثَلُ هذين كما ثبت في المرفوع مَثَلُ الحي والميت، وما عساه يُقال فيمن استبدل الموت بالحياة؟!

وكلُّ ما يقال عن الإسلام يقال مثله في كل شريعة من شرائعه، وفي كل حكم من أحكامه، فإذا كان الإسلام هو الصراط المستقيم فكذلك الشأن في الصلاة، وفي الصيام، وفي الزكاة، وفي الحلال والحرام، وفي الجهاد، وفي غيرها من التكاليف، هي كلها الصراط المستقيم الموصل إلى رضوان الله تعالى وقد عظّم الله تعالى كتابه فقال: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [3] فجعله هدى، وهكذا كل حكم من أحكام الشرع وواجباته. وكذلك في تسمية الكتاب روحًا، ونورًا، ورحمة، وشفاءً، وموعظة، وحكمة، وغير ذلك من أسمائه التي أنهاها بعض العلماء إلى خمسة وتسعين اسمًا، فما دلت عليه هذه الألفاظ من المعاني؛ يُقال في أحكام الشرع مثله، فيقال الجهاد في سبيل الله روحٌ، ونورٌ، ورحمةٌ، وشفاء، وموعظة، وحكمة، وهكذا غير الجهاد من الأحكام، ودلَّ قول الله سبحانه: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [4] ونحوها من الآيات على أن جميع شرائع الإسلام، وتكاليفه، وأحكامه، وأوامره، ونواهيه، ومنها الجهاد في سبيل الله تزكية للنفوس أي طاهرة لها بهدى الإسلام، وهي كذلك حكمة لما اشتملت عليه من تهذيب الأخلاق وإقامة الأحكام التي تمنع النفوس من سوء الحال، واختلال النظام مع تمام التوافق بين السنة الدينية

(1) تم نشر 4 دروس فقط من هذه الدورة على الإنترنيت وحينما تُنشر باقي الدروس سوف نفرغها ونُخرج طبعة جديدة لملف التفريغ مع الزيادة.

(2) الشورى: 52

(3) البقرة: 2

(4) آل عمران: 164

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت