الصفحة 4 من 33

الشرعية والسنة الكونية القدرية، وهذا هو معنى الحكمة التي أشار إليها في قوله تعالى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ} [1] ، وبه تعلم أن الجهاد الموافق لأمر الله وهداه هو مقتضى الحكمة، وإن زعمه من زعمه خارجًا عنها. وتقييدنا الجهاد بالموافق لأمر الله إشارة إلى قيامه على العلم المعتبر من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - لأنه لا سبيل لمعرفة ذلك إلا بالعلم، وبه تعلم أيضًا أن الفصل فيما يقع بين الناس من الخلاف في أيامنا هذه في تسمية بعض الأعمال جهادًا إنما هو إلى العلم الراسخ بكتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - لا إلى ما اعتاده الناس وأَلِفُوه، ولا إلى الحمية الجاهلية، والعصبية المذمومة التي أنتجها التفرق، وانقسم المسلمون معها شِيَعًا وأحزابًا حتى صار من شرعتها الجاهلة أن كلَّ ما عليه الموافق صوابٌ لا خطأَ فيه، وكل ما عليه المخالفُ خطأٌ لا صوابَ فيه، اتباعًا لسنن من حذرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - من التشبه بهم من اليهود والنصارى، وفي كونِ فريضة الجهاد من الحكمة دليل على اعتبار غايات الشرع ومقاصده من التكاليف والأحكام، وأن المصالح الكبرى يُغتفر في تحصيلها فوات ما دونها من المصالح متى توقف تحصيلها على ذلك؛ فيُغتفر ما في الجهاد من المشاق، وما فيه من تلف النفوس وإصابة الأبدان والأموال تحصيلًا للغاية العظمى من إقامة دين الله وشرعه والتمكين لدينه وكتابه.

واعلم أن إقامة الدين والجهاد ركنان لا ينفك أحدهما عن الآخر، وقارن لتعلم برهان ذلك بين حال الأمة في عهود قُوَّتِها وتمكينِها، وحالنا في عهد رجوعها عن مكانتها تراها في الأولى قائمةً بفريضة الجهاد خير قيام بل وعلى قدر قيامها بها يكون التمكين لها، وتراها في الثانية إنما صارت إلى ما صارت إليه بعد التآمر على شريعة الإسلام والتآمر على الجهاد ومحاولة اغتياله ووأده والذي هو عمادها وأساس بنيتها.

وفي كتاب الله تعالى من الدعوة إلى الجهاد وبيان أحكامه ما يشرح صدور المؤمنين، وما يغيظ الكفار والمنافقين، بل ذكر لنا بعض شيوخنا في ما نقلوه عن جماعة من العلماء أن مقاصد القرآن أربعة، واحد منها: الدعوة إلى الجهاد وبيان أحكامه، والثاني: الدعوة إلى الإنفاق في سبيل الله تعالى، وهو أمر لا يستغني الجهاد عنه، ولك أن تقول: إنه ما من آية في كتاب الله إلا وهي دالة على الجهاد في سبيل الله بواحد من أنواع الدلالة الثلاثة، فإن آيات الكتاب إما دعوة إلى توحيد الله تعالى وتلك الغاية العظمى من فريضة الجهاد، وإما لإثبات النبوات ومنها نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وإنما بعث بالسيف وأمرنا باقتفاء آثاره والاهتداء بهديه، وإما بيان لأحكام الشرع وحلاله وحرامه وفي الجهاد إقامة ذلك، وإما تهذيب الأخلاق بتطهير الجَنان من الأدران وتطهير جنس بني الإنسان من ذلك أيضًا، ومن تلك الأدران ما لا يُزال إلا بالسيف والسنان.

وفي الكتاب العزيز سورتان اختصتا ببيان أحكام هذه الفريضة الربانية والشريعة الإيمانية الرحمانية، هما: الأنفال وبراءة وثالثة كريمة هي سورة القتال أو سورة محمد -صلوات الله وسلامه عليه-، والوقوف على ما في هذه السور من المواعظ والعبر هو المقصود من هذه المجالس المباركة -إن شاء الله-، أما ما فيها من أحكام الجهاد وفصولها وفروعها فنُشير إليها إشارة يحصل بها المقصود من بيان معاني الآيات الكريمات؛ لأن محل التطويل والتفصيل في هذا إنما هو كتب الفقه، وتفاسير الأحكام الملحقة بها، وسميتُ هذه المجالس: (زهرة الآمال في تفسير سورتي التوبة والأنفال) ، وبالله وحده التوفيق.

وأول السور سورة الأنفال كما ذكرنا، وهي السورة الثامنة في ترتيب سور القرآن الكريم، وعدد آياتها خمس وسبعون آية، وقد عنيت ببيان كثير من التشريعات والأحكام الحربية، وسماها بعض الصحابة -رضي الله عنهم- سورة بدر؛ لأنها فصلت ذكر هذه الغزوة التي كانت أول الوقائع بين الحق والباطل حتى سميت في القرآن يوم الفرقان، وكانت في السنة الثانية من الهجرة، وقد حوت جملة السورة على قواعدَ سبعةٍ للجهاد والقتال في الإسلام:

(1) البقرة: 269

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت