الصفحة 18 من 33

واللوم ومن ورائه عجب لا ينتهي على من يتصدر من أهل العلم والدعوة للحديث في كل باب من أبواب الإسلام، حتى عن ظلم الناس لكتاكيت الدجاج وصيصانها، ثم لا يُعرِّجُ على شيء من أحوال المسلمين ومصائبهم، ويطوي كل صفحة تتناول أسباب ما صار إليه المسلمون، وما الذي يجب عليهم فعله للخلاص مما هم فيه، فلو أن رجلًا من الأولين بُعِث فينا ووقعت عيناه أول ما وقعت عليه وهو لا يدري عما صار إليه حال المسلمين شيئًا، لظن أن صاحبنا في بعض القرون الثلاثة الأولى يوم كانت جيوش المسلمين تغزو مشارق الأرض ومغاربها، فتُذل أنوف الروم، وتكسر شوكة الفُرس، وصاحبنا قاعد على أريكته في داره تحت ظل سلطان الله في الأرض، يجمع من مُلَحَ العلم وطرائفه ما شاء، أما أن يخطر بباله أن الرجل يصنع هذا وحريمه يُعتدى عليهنَّ في داره، وأرضه تقطع منه شبرًا بعد شبر، واحدة تلو الأخرى، فهذا وربِك ما لا يتصوره عاقل، أو يخرج على العدو شاهرًا سيفه ويقول: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء.

لا شيء من الإسلام يسعنا تركه {ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} [1] ، فإصلاح عقائد الناس وتوجيه عباداتهم ومعاملاتهم وفق كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وتهذيب أخلاقهم، وتزكية نفوسهم، ودعوتهم إلى عمارة الأرض وتسخير خيراتها لطاعة الله تعالى، كل ذلك مطلوب لابد منه، لكن الذي لا يسعنا تركه أيضًا هو أن نأخذ بأيدي المسلمين فيما حلَّ بهم، وأن نخلصهم مما يثقل كواهلهم من القهر والظلم وتسلط أمم الأرض عليهم، وقد بلغ بهم الحال مبلغًا أصبحوا يرون معه باب الخلاص من بعيد لكنهم بحاجة إلى من يُزيل ترددهم، ويبددوا مخاوفهم ليدخلوا الباب سُجدًا، فإذا دخلوه فإنهم -بإذن الله- غالبون، وإلا يفعل العلماء والدعاة ذلك فقد استخفوا عقول الناس، وحقروا ما وجب عليهم أن يعظموا، خاصة وأن ما يحياه العالم اليوم من تقارب الزمان والمكان مع الانفتاح المعرفي الذي لم يعهد له مثيل من قبل قد أوجب ظهور كثير من الحقائق التي كانت خافية من قبل خيرها وشرها، ولم يعد من اليسير كتمان الحقائق واستخفاف الشعوب، فقد تمايز الصفان، ووضح الطريقان، ولم يبقَ إلا تلبيس الأحبار والرهبان.

ومقتضى خطة الإصلاح التي دلت عليها السياسة الشرعية المشار إليها في تمثيل النبي - صلى الله عليه وسلم - للأمة بالجسد الواحد أن تتضافر أعضاء الجسد كلها على العمل لما فيه سعادته وبقاؤه، وكل خلل أو قصور في وظائف الأعضاء يرجع بالضرر على هذه الغاية ولابد، وينتج عن هذه المقدمة جملة من الأمور:

الأول: أن المعول عليه بعد الله تعالى هم العلماء وأهل الحل والعقد من المسلمين ورؤوس الناس وأكابرهم، فإن في صلاحهم صلاح الأمة كلها إذ هم منها بمنزلة القلب من الجسد، ومتى سلم القلب سلم الجسد كله، ومن أمارات السلامة وعلاماتها أن تتجه الجهود والهمم نحو المسائل الكبرى التي يصلح بصلاحها حال المسلمين، وفي إغفالها والانشغال عنها جناية عظيمة على الشرع، وانهدام صرح الأمة المسلمة، وليس هذا من قبيل الدعوة إلى إهمال المصالح الأخرى ما يُظَن، فإن إقامة الدولة على قواعد الإسلام وإرساء سياساتها العامة والخاصة وفق أحكامه مصلحة معتبرة، وإماطة الأذى عن الطريق مصلحة معتبرة كذلك، ولسنا نفرض التعارض بين هذه وهذه بل نقول الواجب الإتيان بهما جميعًا، لكن الذي ننكره أشد الإنكار أن يفضي الاشتغال بالثانية إلى تضييع الأولى، فإذا تعرضت الأولى للخطر تعين على الجميع المبادرة بدرئه ودفعه؛ لأن في العدوان عليها ذهاب الإسلام والمسلمين، والاشتغال حين ذلك بالثانية عن الأولى ذنب يؤاخذ عليه مرتكبه، ألا ترى أن تشبيه الأمة بالجسد الواحد يدل على هذا؟، فإن القلب لو أُصيب تعين كل من أراد للبدن السلامة أن يبادر إلى معالجته، ولا يحل للطبيب حينئذ أن يعتذر عن إهمال معالجته بتقليم الأظفار.

(1) البقرة: 208

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت