الصفحة 19 من 33

الثاني: أن المطلوب هو الوقوف على حقيقة الأحوال التي يمر بها أهل الإسلام وقوفًا يستند إلى عمق النظر، ولا يقف عند المظاهر وحدها بل ينفذ إلى مثار الحوادث والعلل، ويستنفد الوسع في معرفة مكامن الأدواء فيسلط المعالجة هناك ويصيب البُرءَ -بإذن الله-، والأمة -بحمد الله- تحمل الحصانة في نفسها بما تقيضه ينابيعها من الخير وكنوزها من الرجال؛ فقوة المناعة كامنة في أعماقها باقية ببقائها (خير أمة أخرجت للناس) ، وإنما تحتاج إلى تحريضها وتنشيطها لتطرد كل غريب ودخيل، وذلك أمر يوجب تواصل المخلصين من العلماء -وهم كثير ولله الحمد- لتبادل العلوم والخبرات والمعارف التي توقف على مدارج الاجتهاد في السياسة الشرعية، ولأن التواصل المذكور يُكسب العلماء وأهل الحل والعقد حصانة حافظة وكلمة نافذة، ولئن كان اجتماع كلمة المسلمين من الواجبات فذلك على أهل العلم أوجب وهم به أحق وأولى.

الثالث (من خطة الإصلاح) : دلَّ التمثيل المذكور في الحديث على أن الواجب في المسلمين هو التعاون في تحصيل أسباب النصر ما أمكن؛ فالأمة بحاجة في معركتها هذه إلى كل جهد يبذل قلَّ أو كثر، ولا يحل لأحد من المسلمين أن يتجاوز بالخلاف حدود ما أمر الله تعالى به من وجوب التناصر بين أهل الإسلام فإن الطرف المقابل في هذه المعركة عدوٌّ يتربص بالإسلام وأهله وليس طائفة من طوائف أهل القبلة تصلي صلاتنا وتأكل ذبيحتنا، وإذا كان من الدين أن نأمر بالمعروف وننكر كل ابتداع في الدين في العقيدة أو في العبادات أو المعاملات فمن الدين كذلك أن نناصر كل مسلم وإن خالفنا ما دام مسلمًا على من يعتدي عليه لدينه وإسلامه، وهذا الذي ذكرته أصل من الأصول التي لا يجوز إغفالها البتَّة، والتاريخ يشهد على أن التهاون في هذا كان من أعظم ما جرَّ على المسلمين ما لا تحمد عقباه كما وقع في الأندلس وبغداد وغيرها من بلاد العالم الإسلامي في عصوره المتأخرة، فعلى العلماء وأكابر الناس خاصة أن يأخذوا للأمر أهبته، وأن يُعدوا له عدته بتوجيه الجهود إلى ما ذكرناه، وتوحيد الأهداف والغايات، والحذر من ترك الزمام بأيدي الجهلة وأنصاف المتعلمين يشغلون الناس عن كبريات المصالح وجليلات المقاصد.

وجملة القول أن الواجب على المنصف أن يتأمل في محاسن القيام بهذه الفريضة الربانية في زماننا هذا، و في محاسن ثمارها التي تنسي حلاوتها جانيها ما أصابه من أشواك الطريق وآلامه، وكيف اختصرت عبادة الجهاد عليه كثيرًا من الجهود، ووفرت عليه كثيرًا من الوقت اللذين كان بحاجة إليهما لإفهام الناس هذه الحقائق، وكيف كانت سببًا بحصول ما يحبه الله ويرضاه من تمايز الطائفتين، كما كانت سببًا في إبطال كيد عدو الإسلام الذي أنفق في العمل عليه دهرًا طويلًا فمكروا ومكر الله والله خير الماكرين حتى خربوا ما شيدوا بأيديهم والحمد لله رب العالمين.

و إما يعقب ما نقوله هنا من كان رائده الإنصاف وطلب الحق لا من علقت بقلبه شوائب الهوى، ومن عصفت بين جنبيه رياح الشبهات، وهم كثرة في أيامنا يزدادون خاصة مع غياب العلم والغفلة عما يحاك لأهل الإسلام من التآمر والكيد، وزد على هذا أن هؤلاء لما رأوا رحى الحرب وقد طال أمدها، ورأوا ما امتحن الله به أهل الإسلام من الشدائد حسبوا رياح المجاهدين مدبرة مولية، ومنهم من ظن كما ظن بعض أسلافهم من قبل أن المؤمنين لن ينقلبوا إلى أهليهم أبداُ، وأن الدائرة تدور عليهم فأساؤوا الظن بالله تعالى ثم بعباده المؤمنين -وبئس ما ظنوا والله-، فإنه سبحانه منجز لعباده المؤمنين وعده إن هم أطاعوه والله لا يخلف الميعاد، فلا يهولنك جمعهم، ولا تغرنك كثرتهم، واسأل الله الصبر والثبات، فإنك لا تلبث حتى تستحيل مرارة الصبر حلاوة تجد آثارها في قلبك، فاحمد الله عند ذلك على سلامة دينك وأن عافاك مما ابتلاهم به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت