وكأني بعد ذلك بالصَبَا وقد هبَّ هبوبها، فصَبَتْ إلى ما تحمله من بشائر النصر قلوب المؤمنين، وبالتبور وقد خرَّبتْ ديار الكافرين فولَّوا الأدبار وانقلبوا خاسرين، فاحفظ سماتِ أولئك، واعرف أوصافهم، واحذر أن يفتنوك عن ما علمت من حقيقة، فإنهم ربما سرقوا الثمرة وادعوا ما ليس لهم، فلا تقدمهم وقد أخرهم الله، ولا تكرمهم وقد أهانهم الله، وسيقولون: {يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا} [1] ، {فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ} [2] .
والدنيا دار ابتلاء وامتحان لا تخلو التكاليف فيها عن المشاق، وكلٌّ ساعٍ فيها بخير أو بشر، ولا بد له أن يعرض له ذلك؛ أعني أن يعرض له الامتحان الذي قدره الله تعالى كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} [3] ، وقد قيل إن حقيقة الكدح إتعاب النفس في العمل والكد، و من كان الليل والنهار مطيتيه أوصلاه بلا شط إلى منتهى سفره شاء أو أبى.
ومن طلب دنيا خالية عن المشاق والأكدار فليطلبها في غير هذه الدنيا ولن يجد إلى ذلك سبيلًا، وإذ الحال ما بيناه فعلى المرء أن يجعل مراده تبعًا لمراد خالقه سبحانه، وهواه تبعًا لما جاء به رسول الله -صلوات الله وسلامه عليه- حتى وإن كان ذلك مما تكرهه النفوس كراهة طَبعية كالقتال الذي قال سبحانه فيه: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} [4] ، وإنما كان مكروهًا لأنه يحول بين المرء وبين طمأنينته وراحته، وطعامه ولذته، وأهله وبيته، ثم إنه يُلجئ المرء إلى العداوات والخصومات، ويعرضه لخطر الهلاك، وألم الجراح، لكن ما فيه من دفع المذلة والسلامة من ذهاب الدولة الحاصلين بتسلط عدو الدين وغلبته واستضعافه للرجال يجعل ذلك المكروه محتملًا في تحصيل هذه المصلحة العظمى، فالقتال من الضرورات الحياتية التي لا يحبها الناس إلا إذا كان تركها يفضي إلى ضرر عظيم، ولما كان مكروهًا للنفوس ربما توهم المتوهم أنه إذا كان مكروهًا كان شأن رحمة الله بخلقه أن لا يكتبه عليهم فذيِّل بهذا لدفع ذلك فقال سبحانه: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} ، ثم وصف هذا الخير بالكثرة في قوله في موضع آخر: {فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [5] .
وهذا الفصل الذي حكيناه وقع مثله يوم بدر فإن الصحابة -رضي الله عنهم- رغبوا في الخروج إلى القافلة وغنيمة ما فيها، وأراد الله تعالى غير الذي أرادوه، وكان الذي أراده خيرًا من الذي أرادوه لأنفسهم، فالتقوا بالمشركين على غير ميعاد في قلة من العدد والعدة، وقد تهيأ المشركون لحربهم وخرجوا بخيلهم ورجلهم يحادون الله ورسوله، فما كانت إلا جولة الجائل حتى أذل الله صناديد الكفر وأرغم أنوفهم فغدوا بين صريع وأسير وهارب، قال الألوسي -رحمه الله- والمعنى: ''أنتم تريدون سفساف الأمور والله -عز وجل- يريد معاليها، وما رجع إلى علو كلمة الحق وسمو رتبة الدين، وشتان بين المرادين"، ثم قال تعالى في السورة:"
{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ * إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ} [6]
(1) النساء: 73
(2) التوبة: 83
(3) الانشقاق: 6
(4) البقرة: 216
(5) النساء: 19
(6) الأنفال: 9 - 14