كانت الحكمة من اختيار ذات الشوكة ونصرهم عليها مع إرادتهم غيرها أن يظهر الله تعالى الحق الذي هو دين الإسلام، ويبطل الباطل وهو كل ما خالفه وإن كره المشركون ذلك، ثم بين سبحانه ما جعله سببًا من أسباب نصره لعباده إذ ألهمهم الالتجاء إليه سبحانه حين ضاقت عليهم السبل وأعيتهم الحيل و رأوا ما بالعدو من الكثرة وما بهم من القلة كما قال عمر -رضي الله عنه-:"لما كان يوم بدر نظر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونيف، ونظر إلى المشركين وهم ألف وزيادة، فاستقبل القبلة ثم مدَّ يديه وعليه رداؤه وإزاره ثم قال: (اللهم أنجز ما وعدتني، اللهم أنجز ما وعدتني، اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض أبدًا) [1] ، فما زال يستغيث ربه ويدعوه حتى سقط ردائه فأتاه أبو بكر الصديق فأخذ رداءه فرداه به ثم التزمه من ورائه وقال:"يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك كما وعدك"وأنزل الله هذه الآية."
وذكر البخاري في المغازي عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال:"شهدت من المقداد بن الأسود مشهدًا لأن أكون صاحبه أحب إلى مما عدل به، أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يدعو على المشركين فقال: لا نقول كما قالت قوم موسى اذهب أنت وربك فقاتلا، ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك، فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - أشرق وجهه وسره، وكان في دعاء الرسول -صلوات الله وسلامه عليه- دعاء المؤمنين بعد استنفاذ المقدور عليه من الأسباب حقيقة التوكل على الله."
و قد ترجم البخاري -رحمه الله- في كتاب الجهاد حمل الزاد في الغزو فأشار بهذا إلى أن تعاطي الأسباب لا يقدح في التوكل وذلك كله مما يستجلب به نصر الله تعالى، ولذا ذكر المفسرين أن قوله تعالى {إذ تستغيثون} متعلق بقوله {يريد الله} ، وقيل بقوله {ليحقَّ الحق} فلما سلموا ورضوا بما قضاه الله تعالى من اللقاء بعدوهم لجؤا إليه بطلب النصرة على عدوهم، وقد جرت سنة الله تعالى الكريمة بأن العبد متى أتى بما أمر به طاعة لله وتعبدًا له سبحانه، ثم شهد فقره إلى ربه وفاقته إليه وتحقق في قرارة نفسه من انفراده -عز وجل- بالقدرة على إزالة البلاء ودفع الضراء، ثم صدق الدعاء وأظهر الحاجة وطلب العون منه سبحانه حصل له ما يأمله، وقضيت حاجته، وهكذا وقع للمؤمنين في هذا الموضع أغاثهم الله -سبحانه وتعالى- بعدة أمور منها أنه تعالى أمدهم بجند من الملائكة مردفين -أي متتابعين يردف بعضهم بعضًا- فكانوا ألفًا أولًا ثم صاروا ثلاثة ثم صاروا خمسة آلاف كما في آل عمران، وهذا من أصول فن الحرب أن تبعث طائفة من الجيش ثم تعقَّب بطائفة أخرى ثم بثالثة وهكذا إرسالًا بحسب الحاجة لأن ذلك أرهب للعدو، وأدعى لكسر شوكته، وإلقاء الرعب في صفوفه، وقد بشرهم الله تعالى بالإمداد المذكور لأن يوم بدر كان أول يوم يلقون فيه عدوًا قويًّا خرج للقائهم في عدد تام وعدة كاملة تفوق عددهم وعدتهم، وإنما كان المدد جيشًا من الملائكة لأن النفوس أميل إلى المحسوسات حتى رآهم بعض الصحابة -رضي الله عنهم- في ذلك اليوم يقاتلون والنصر معنى يدق إدراكه بخلاف الصور المحسوسة، والحكمة من كونه جيشًا مع كون الواحد من الملائكة كافيًا حصول الطمأنينة لأهل الإيمان، ولأن متابعة الإمداد أحسن موقعًا وأسر للنفوس من الواحد ومن مجئ الجيش دفعة واحدة مع ما فيه من تنبيه القران على أصول علم الحرب والقتال، وفي هذا تنبيه على أن الواجب على أمير الجند أن يتعاهدهم بما يقوي نفوسهم ويشجعهم على قتال عدوهم، وأن يخيل لهم ظفرهم بعدوهم ونصرهم عليهم دون أن يغرهم، وإنما يشحذ عزائمهم ويرفع هممهم كما قال ابن قدامة في الكافي:"ولا يأذن لمخذل من الناس وهو الذي يفند الناس عن الغزو، ولا لمرجف وهو الذي يحدث بقوة الكفار وضعف المسلمين وهلاك بعضهم ويخيل لهم أسباب ظفر عدوهم بهم ولا لمن يعين العدو بمكاتبتهم بأخبار المسلمين والتجسس لهم، ولا لمن يضر المسلمين بإيقاع الاختلاف بينهم، ولا لمن يعرف بالنفاق والزندقة"، وقد ذكر العلماء -رحمهم الله- في فصول السياسة الشرعية ما اتفق عليه حكماء العرب والعجم في العناية بأمر الجند قولهم:"المُلك بناءٌ والجند أساسه فإذا قوي الأساس تم البناء، وإذا ضعف الأساس انهار البناء فلا سلطان إلا بجند"، وفي الآية إلماح أيضًا إلى ما يعرف اليوم بالحرب النفسية وهو نوع من الحرب يعتمد على الدعاية أصلًا لتحقيق مآرب مختلفة منها كسب الحرب أثناء وقوعها، ومنها تثبيط همَّة العدو عن القتال، وسنأتي على ذكره في موضع آخر من السورة -إن شاء الله تعالى-.
(1) حسنهُ الألباني في صحيح الترمذي (3081)