الصفحة 22 من 33

وفي ذكر الألف، والثلاثة آلاف، والخمسة آلاف، وهي الأعداد الكاملة دون زيادة أو نقصان هي إشارة إلى ما كان يُعرف قديمًا بعلم التَعَاب العددية كما ذكره أبو الطيب البخاري في أبجد العلوم، وهو علم يُتعرف منه على كيفية ترتيب العساكر في الحروب وتسوية صفوفها أزواجًا و أفرادًا، وعلى تعيين أعداد الصفوف وأعداد الرجال في كل صف منها، وهيئة الصفوف إما على التدوير أو التثليث أو التربيع إلى غير ذلك حسبما تقتضيه الأحوال، وقد ذكروا في أصول هذا الفن أن في مراعاة الترتيب المذكور ظفرًا بالمرام ونصرة على الأعداء، ولا يكون الجيش بذلك مغلوبًا إن شاء الله -سبحانه وتعالى-، قالوا:"وقد أجرى الله -سبحانه وتعالى- سنته أن كل عسكر مرتب التعابِ منصور"، و يؤيد هذا ما رُوِي من حديث أنس وابن عباس وغيرهما مرفوعًا: (خير الرفقاء أربعة، وخير الطلائع أربعون، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، و لن يُغلب اثنا عشر ألفًا من قلة) [1] ، ففي هذا الحديث ذكر الأعداد الكاملة كما في الآيات، وفي العدد الكامل من الوقع على النفوس ما ليس في غيره كما يقع عكس ذلك من التجار في ترويج البضائع والسلع فيجعلون قيمتها تسعة وتسعين عوضًا على المائة، وتسعمائة عوضًا عن الألف، وما ذلك إلا لأن للمئة والألف من الوقع على النفوس ما ليس لما دونهما، والمطلوب في الحرب عكس هذا الذي في التجارة، والله تعالى أعلم.

وتقديم المجرور في قوله {به قلوبكم} لإفادة الاختصاص، والمعنى لتطمئن به قلوبكم لا بغيره، وعَقْبَ بذكر أن النصر من عنده سبحانه وزيادة في التوكيد عليه، وفي تعريض لما أصابهم من الوجل من توقع لقاء ذات الشوكة لما أخبرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن العير قد فاتتهم وسلكت طريق الساحل، فتمحض كون الطائفة الموعود بها هي طائفة النفير، وفي هذا دليل على أن المتعين على قائد الجند العناية بإزالة أسباب الخوف عنهم قبل اللقاء بعدوهم إن وجد ما يقتضيه، وأن يقدم لهم من البشائر وأسباب الطمأنينة ما يكون عونا على ثباتهم.

وفي سياق الآيات إبداع بالتنقل من قصة إلى أخرى لبيان دلائل عناية الله تعالى برسوله -صلوات الله و سلامه عليه- والمؤمنين، فذكر بعد هذا وهو مما أغاثهم به ما غشيهم من النعاس بتقدير الله تعالى أن يناموا في وقت لا ينام في مثله الخائف، وأعجب من هذا أن النوم قد أصاب الجيش كله فكان فيه من نعمة الأمن وزوال الخوف وراحة البال ونشاط الهمم ما لا يُقادر قدره، وهو أمر خارق للعادة حصل كرامة للمسلمين يوم بدر كما حصل لطائفة من الجيش يوم أحد كما قال تعالى: {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ} [2] ، والحزن تبتدئ خفته بعد أول نومة ينامها المرء كما يُشاهد فيما يَعْرِض للإنسان من أحزان الموت وغيرها، وقد رُوِي عن ابن مسعود أنه قال:"النعاس في القتال أمنة، والنعاس في الصلاة من الشيطان"، قيل: وهذه عادة الله مع المؤمنين جعل النعاس في الحرب علامة للظفر، وقد وقع ذلك لعلي -رضي الله عنه- في صفين ولا يزال ذلك مِنَّة من الله تعالى يثبت بها من شاء من عباده، ونعرف من المجاهدين من وقع له ذلك، والحمد لله رب العالمين.

ومما أغاثهم به أيضًا إنزال المطر رحمة في وقت حاجتهم إليه، إذ كانت طريقهم رملًا لينًا فتلبدت حتى أسرعوا السير، وسبقوا إلى الماء، واستوحلت طريق المشركين فشقّ عليهم السير فيها هكذا حكى أهل السير، وتطهر المسلمون لأن كثيرًا منهم كان قد احتلم في نومه فشقَّ عليهم ذلك وأن يلقوا عدوهم على حالهم هذا وكان ذلك من الشيطان، فرد الله تعالى كيده وأذهب عنهم رجزه وربط بذلك على قلوبهم فحصل لهم بذلك ثبات القلوب وثبات الأقدام، وهما أمران لابد منهما في الحرب.

(1) صححهُ الألباني في صحيح الجامع (7850)

(2) آل عمران: 154

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت