وإحياء مكارم الأخلاق مع فهم رسالة الإسلام هو المطلوب من سائر المسلمين عمومًا، ومن المسلمين من العرب خصوصًا، فإن مزيد التشريف في هذه الدنيا يتبعه مزيد التكليف، وبهذا تعلم قدر ما خسره العالم الإسلامي كله بتراجع تلك الأمة عن مكانتها ولله عاقبة الأمور.
ولا شك أن الإسلام روح الأخلاق، والباعث الأول على تزكيتها ونمائها ورسوخها في النفوس جماعات وأفرادًا، وتأثير الدين على الأخلاق أمر لا ينكر بل يندر أن تنشأ الأخلاق في مجتمع من المجتمعات في معزل عن العقائد السائدة فيه، حتى إن الديانات القديمة عند المصريين والآشوريين قد اشتملت على قواعد قانونية تنظم السلوك وتوجه الواجبات الأخلاقية، بل إن الأمة التي تعرى عن المبادئ الأخلاقية يسرع إليها الفناء والانهيار كما وقع للمبدأ المادي الشيوعي الذي انهار بانهيار الاتحاد السوفيتي سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، لأنه فقد كل سبب أخلاقي لوجوده، و من باب أولى أن تكون للأديان السماوية الأخرى تأثير على الأخلاق فإن التوراة والإنجيل مع ما عرض لهما من التحريف والتبديل لم يزل فيهما من القواعد الأخلاقية ما أقره القرآن الكريم؛ كالنهي عن القتل والزنا والسرقة والأمر بغض الأبصار ونحوها مما هو من بقايا دين الرسل -صلوات الله وسلامهم عليهم أجمعين-، ثم جاء الإسلام خاتمًا للأديان، ومتممًا لمكارم الأخلاق، متميزًا في تشريعه الأخلاقي بأمور ثلاثة: موافقة أخلاق الإسلام للفطرة التي فطر الله الناس عليها، فركز فيها القدرة على التميز بين الخير والشر، وأنها شاملة لجميع جوانب الحياة الإنسانية وهذه هي الثانية دينية وثقافية وسياسية واجتماعية وحضارية، تعالج مشكلات البشرية من ولادة الإنسان إلى وفاته وتوجه أعماله اليومية من يقظته إلى منامه، والثالثة أن المخاطب بها جميع بني آدم في كل زمان ومكان، لا تخص قومًا دون قوم، ولا أمة دون أمة، بل تتناول جوهر الحياة والنفس البشرية باعتبارهما شيئًا لا يتغير وإن تعددت مظاهر الحياة وتغايرت أشكالها.
واعلم أن الأخلاق الحميدة من الشجاعة والكرم و نحوها تحيى في النفس بإحياء أسبابها، وأحسن ذلك ما كان في الصغر في أول النشأة، و العلماء -رحمهم الله- يذكرون أصول الفضائل ثلاثة:
1.الحكمة
2.العفة
3.الشجاعة
وما سوى ذلك فإنما هو من تفريعاتها وتركيباتها، فمن ثمرات الحكمة:
-التعقل
-والأناة
ومن ثمرات العفة:
-الإحسان
ومن ثمرات الشجاعة:
-ترك الظلم والنهي عن البغي
ولا يكون شيء من ذلك إلا بالعلم فعلى المرء أن يأخذ نفسه ومن يعول بالحزم في هذه الأمور مع الحذر من أضدادها كحياة الترف والتنعم، فإنها منافية لخلقي الشجاعة والكرم، وفي الأوَلَيْن فناء الأمم كما أن في الأُخريين بقائها وحياتها، وقد قرأنا في تاريخ الأندلس عما وصلت إليه حال المسلمين هناك في عصور ضعفهم من الإسراف في التنعم ورفاهية العيش وما سرى في شبابهم من اعتياد اللين من الثياب والطعام والشراب وكيف فشا فيهم مخالطة الفتيان للفتيات جهارًا نهارًا، فخُلع ستر الحياء، وانتشر شرب