الخمر فيهم، واتخذوا الألبسة من الحرير، وبلغ الحال ببعض الأمراء أن اتخذ لخيوله نعالًا من الذهب، ومن المشهور قصة زوج المعتمد ابن عباد لما خرجت مع بعض جواريها فرأت نسوة يخضن في الطين، وقالت لزوجها: أشتهي أن أصنع مثلهن فأمر بأحمال من المسك والعنبر والكافور فألقيت في ساحة القصر، وعُجنت حتى صارت على هيئة الطين، وجعلت زوج المعتمد وجواريها يخضن فيه، فلما غلب اللهو واللعب فيهم على حياة الجد والعطاء مع ما كان في المسلمين من الخلاف وتفكك الصف وخاصة في دولة بني الأحمر آخر دول ملوك الطوائف الحاكمة هناك، وتعرض النصارى لغزو بلادهم وهم في كافة عددهم وعتادهم، خرج إليهم أولائك المتنعمون وهم في أقبية الحرير والذهب فلم يثبتوا أمامهم يوم وبعض يوم، ثم ولّوا الأدبار هاربين، وزحف الأسبان إلى غرناطة فحاصروها ثم استسلمت بسبعة وستين شرطًا ما لبث النصارى أن تنكروا لها ونقضوها وعملوا على خطة لإزالة المسلمين من تلك البلاد، لا يزال التاريخ يحتفظ في صفحاته بكثير مما وقع فيها من ظلم وحقد وسفك للدماء، وفرَّ كثير من المسلمين إلى بلاد الترك والمغرب ومصر وغيرها ومن بقي منهم كان يُسِرُّ بإسلامه ويُظهر تنصره، ودام هذا الحال مائة عام إلى سنة ثمان وسبعين وستمائة، وفيها كانت نهاية المسلمين في إسبانيا فلما كان في عام سبعة عشر وألفٍ للهجرة خلت الأندلس كلها من المسلمين، وبلغ عدد من نُفي منهم بين سقوط غرناطة والتاريخ المذكر نحو ثلاثة ملايين، وضاعت تلك البلاد وأية بلاد ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فقارن الآن بين هذا وبين ما يقع اليوم في بلاد المسلمين من توفير أسباب اللهو والترف، وما يُنفق عليها من الأموال بلا سؤال ولا حساب في الوقت الذي يصطدم الإسلام في كل مكان، والذي عظمت فيه الحاجة إلى مضاعفة الإنفاق لحماية ثغور الإسلام، وكيف يُقبل عليها الناس عامة وأبناء المسلمين خاصة أسرابًا تلو أسراب في الوقت الذي يتعين على المسلمين فيه النفير إلى حماية ثغور الإسلام كل بحسب وسعه، وعلى قدر ما آتاه الله تعالى من البسطة في العلم أو الجسم أو في كليهما معًا، وما عساه ينتج مثل هذا الحال الذي ذكرناه إلا الألوف التي نراها من الشباب المتكسر الذي مَرِؤوا صاروا كالمرأة هيئة وتصنعًا وحديثًا، فواحدهم يَحكي الجواري في لينه ورقة كلامه ورخاوته وتكسر أعضائه وتلويه، فهذا نذير خطر والله، لا لأن ذلك مفسدة لأخلاق الشباب فحسب بل لأن مُقتضى اعتبار حال الأمة بحال الفرد، وقياس سياستها على سياسته العناية بأسباب قوتها، وحفظ هيبتها بين الأمم، وشباب كل أمة منها بمنزلة اليدين والقدمي، قوة البدن في قوتهما فهما يدها التي تبطش بها وقدمها التي تمشي عليها، فبالله عليك أتلك الجموع التي يخدش الواحد منها نسيم السحر إذا لامسه تدفع عن الأمة غاية العدو أو تحفظ أرضًا أو تصون عرضًا؟، كلا والله، فكل ذي عينين يعلم أن الذين يقفون اليوم في وجوه الغزاة الهمج المتحضرين هم الذين لم تفسد أخلاقهم وطبائعهم حياة اللهو والترف والنعيم، وروضوا أنفسهم على تغير أسباب الحياة وتقلبها طورًا بعد طور، فسيان عندهم أن تخفض عيشهم تارة وترفعه تارة أخرى، فلا يتردد الواحد منهم أن يبذل نفسه وجميع ما يملك إن دعا داعٍ إلى ذلك فداءً لدينه ولأمته، ومرد ذلك فيهم بعد تقوى الله تعالى إلى أنفة وشجاعة وكرم، فمثل هؤلاء إن وجدوا العلم المقوم والمرشد المعين كانوا -بإذن الله- حصانة للأمة من جميع ما يحيط بها من الأخطار.
وليعلم أولئك النفر من الأمراء والأثرياء الذي يقومون على نشر هذه الملهيات في بلاد المسلمين أنهم مشاركون في خطة اغتيال الأمة ووأد كرامتها، وأنهم معينون لعدوها في القضاء على أسباب قوتها، وعلى إذابتها في جحيم الحضارة الغربية وعولمتها الثقافية، وذلك من بعد هدم لدينها، وزعزعة لإسلامها، فإن كان أو كان منهم من صنع ذلك جاهلًا بعواقبه فقد بينا له عواقب ذلك، فليسعوا إلى تداركه و إصلاح الخطأ من الإحسان وما على المحسنين من سبيل، وإن كان فيهم من صنع ذلك عالمًا بعواقبه، مريدًا لثماره ونتائجه فقد جمع إلى ذلك أعظم الآثام، وحكم على نفسه بالخروج من دائرة الإسلام، وعلى المسلمين أن يأخذوا بالأسباب التي تضمن لهم حماية دينهم وتحفظ لهم هيئتهم وهيبتهم وكرامتهم، ثم إن أمّات الفضائل المذكورة راجعة إلى اعتدال ما أودعه الله تعالى في الإنسان من القوى؛ فاعتدال القوة العاقلة هي الحكمة، واعتدال القوة الشهوية هي العفة، واعتدال القوة الغضبية هي الشجاعة، والكرم والسخاء مكمل لهذه الثالثة فلا تجد الشجاع إلا كريمًا وبالعكس، ولذا كان الجهاد لا يتم أمره إلا بهاتين الغريزتين في الجند