الصفحة 29 من 33

عمومًا وفي قادة الجند خاصة وهما الشجاعة والجود، ومن أشد الآفات ما يقابلهما من الجبن والبخل حتى كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستعيذ بالله منهما.

واعلم أن الجهاد في سبيل الله عبادة جمعت سنام أمّات الفضائل المذكورة، وإذا قام به العبد على وجهه كان من أعظم ما يربي النفوس على ذلك، فأما الحكمة فإن أحوج الناس إليها فيما يأتي ويذر هو المجاهد في سبيل الله إذ غاية الجهاد هي أجلُّ الغايات ولا يتأتى الوصول للغاية العظمى منه وهي إقامة التوحيد والتمكين لدين الإسلام إلا لمن أوتي من الحكمة حظُا وافرًا، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - سيد المجاهدين، وكان أحكم خلق الله أجمعين، وهكذا الحال في قادة المسلمين من الصحابة ومن تبعهم بإحسان لا ترى منهم من بلغ في جهاده غاية تحمد إلا بما آتاه الله تعالى من موفور الحكمة في العلم والعمل، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

وأما العفة فأعف الناس عما حرم الله تعالى هو المجاهد في سبيله، وإذا كان الإحسان من ثمرات العفة فأي إحسان أعظم من بذل النفس لإقامة التوحيد، والعدل بين الناس، ومن دفع الظلم عن المظلومين والمستضعفين في بلاد الله وبين عباد الله، وأما الشجاعة فحسبك بالآيات الآمرة بالثبات والناهية عن الفرار، وما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من أن الفرار من الزحف من السبع الموبقات، وما ورد في الكتاب والسنة من تعليم المؤمنين الدعاء بالثبات عند اللقاء كما في قصة طالوت ويوم بدر وغيرها، حسبك بهذا كله تربية للنفس على الصبر على المكارة، وقد قيل: (الشجاعة الصبر على الطاعة،) وقيل: حدها ثبوت القلب عند حلول المصائب، ولا تكون إلا عن قوة المعرفة ونفاد البصيرة، وهي المحمودة عند الناس، والجهاد من أجل الطاعات، ولذا كان الأمر بالثبات أمرًا بتحصيل أسبابه أيضًا.

ولذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أعظم الناس جهادًا، وأشجعهم في حومة الوغى كما وقع له يوم حنين وقد انكشف عنه جيشه، وهو على بغلة لا تصلح لكرٍ ولا فر قد أخذ السفيان بن الحارث بلجامها والنبي - صلى الله عليه وسلم - مع هذا يُركضها في وجه العدو ويقول: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب) [1] ينوّه باسمه ليعرفه من لم يعرفه وهذه شجاعة لم تقع لأحد من خلق الله سواه -صلوات الله وسلامه عليه-، وإنما كانت الشجاعة بهذه المنزلة في الإسلام لأنها بعد عون الله تعالى سبب النصر في الحرب، وقد علمت أن الجهاد ركن من أركان دعوة الإسلام ولا بد من نشر رسالته بين العالمين، وحملته إذًا أحوج الناس إلى التخلق بذلك؛ فالجهاد يستدعي الصبر، وقد سئل علي -رضي الله عنه- عن الشجاعة فقال: (صبر ساعة) ، فالأصبر في الحرب هو الأرجح ميزانًا -بعون الله تعالى-، وانظر إلى قول زفر بن الحارث:

سقيناهم كأسًا سقونا بمثلها *** ولكنهم كانوا على الموت أصبرا

وإنما يعتذر بهذا عن انتصار أعدائهم عليهم بأنهم كانوا أكثر صبرًا منهم، ثم إن الجهاد لما كان عبادة لله تعالى ولا حظ فيه للنفوس حتى يكون المسلمون مختارين بين فعله وتركه، وكانت الأيام دولًا، وكان الله تعالى يصنع أهل الإسلام على عينه حتى ينزل النصر على من يستحقه من عباده، لما كان هذا وذاك أمر الله تعالى المسلمين إن وقع لهم ما يكرهون وكانت الدائرة في الحرب على خلاف ما يحبون أن يصبروا على ما أصابهم كما قال تعالى: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [2] ، وهو نهي عن أسباب الفشل وخور العزيمة؛ لأن ذلك يضعف الإرادة، ويقلب الرجاء يأسًا، والشجاعة جبنًا، واليقين شكًا، والحزن المنهي عنه هو شدة الأسف التي تبلغ بالمرء حد الكآبة والانكسار، والوهن مع الحزن إنما ينشآن عن اعتقاد الخيبة واستعظام المصيبة فيفضي ذلك بالمرء إلى الاستسلام وترك الجهاد المأمور به، ولذا قال قبل هذا النهي: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} [3] يريد الاعتبار بأحوال من سبقهم من الأمم، وأنه لا تلازم بين النصر وحسن العاقبة، ولا بين الهزيمة وسوء العاقبة.

(1) صحيح البخاري (2930)

(2) آل عمران: 139

(3) آل عمران: 138

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت