ثم قال بعد النهي {وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} وهي حكم لهم بعلو المنزلة وإن أصيبوا لأن الإيمان يعلو ولا يُعلى، وهي أيضًا بشارة لهم بالنصر المستقبلي -بإذن الله-.
وقد نهى في هذا الموضع من سورة آل عمران عن الوهن والحزن المقعد عن الجهاد ثم، نهى في آية النساء عن الوهن في طلب العدو فقال: {وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ} [1] ، وذلك من قبيل التخلية قبل التحلية فإنه واساهم فيما يصيبهم أولًا، ثم زادهم تشجيعًا على قتال عدوهم وتهوين شأنه في نفوسهم، وإنما شرع قصر الصلاة وأحوال صلاة الخوف والتيمم حتى لا يقع الوهن في الجهاد، فالمراد أن يُبادؤوا العدو بالغزو لأن المبادئ له من الرعب في قلب عدوه ما ليس للمدافع وهذا من وجوه الرد على من يقصر الجهاد في الإسلام على جهاد الدفع فقط. والأمر بالثبات في هذه الآيات من سورة الأنفال خطاب للمؤمنين المتصفين بصفة الإيمان لأن الشجاعة وسائر الفضائل لا تكون تامة حقيقية إلا للموحد الموقن الذي استنار قلبه بنور التوحيد، قالوا: والشجاعة وثبات الأقدام في المخاوف من ثمرات قوة اليقين، ولذا مضى في الآيات السابقة أن إلقاء الرعب في قلوب الكفار مسبب عن شركهم؛ فالمشرك محجوب عن منبع القوة بشركه وكفره بالله تعالى.
والزحف في الآية في قوله زحفًا فسر في المشي في الحرب وتلاحم الجيشين عند القتال لأن المقاتلين يزحفون إلى أقرانهم شيئا فشيئا مع احتراس وترصد الفرصة، وقيل الزحف هنا الجيش الكثير العدد، ففي هذا تعليم لأمرين من فنون القتال: الحيطة والحذر عند التقدم إلى العدو وكلما ازداد اقترابًا تعيَّن المزيد من الحذر، والثاني التنبيه على الزحف جمعًا وتوافق إفراد الزاحفين حال الزحف بحسب ما تقتضيه الحاجة، وعلى القول الأول الذي فُسرت به الآية قيل أن المعنى هو النهي عن الانصراف من القتال فرارًا إذا التحم الجيشان، وعلى القول الثاني فهو نهي عن الفرار إن كان المسلمون جيشًا كثيرًا، ومفهومه أنهم إن كانوا قلة فلا نهي، ثم إن هذا المفهوم مجمل بُيِّن في قوله تعالى: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} [2] الآيات، وستأتي في نهاية السورة -إن شاء الله تعالى-، ومن العلماء من قال زحفًا حال من الذين كفروا، وعلى هذا فمعناه إذا لقيتموهم وهم كثير فلا تفروا، ويفيد من طريق الأولى وهو الذي يسمى عند الأصوليين بفحوى الخطاب أن النهي عن الفرار أوكد إن كان الكفار قلة، ومعنى الآية على هذا لا تولوهم الأدبار في كل حال، وقد ورد النهي عن الفرار بلفظ متمكن في الفصاحة، وقوله تعالى {فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ} فذكر حالة تستهجن من فاعلها وأتى بلفظ الدبر دون الظهر لأجل ذلك، واستثنى من ذلك حالتين:
الأولى: التحرف للقتال وهو من خدع الحرب ومكايدها بأن يظهر بأنه منهزم ثم ينعطف عليه ويكر راجعًا لقتاله، أو يستدرجه إلى كمين أو مكان أو زمان أنسب لقتاله، أو غير ذلك مما هو معروف في بابه، كما قال عمرو بن معد كرب -وكان من الفرسان المعدودين-:
ولقد أجمع رجليَّ بها *** حذر الموت وإني لفرورُ
ولقد أعطفها كارهةً *** حين للنفس من الموت هديرُ
وكلما ذلك مني خلق *** وبكلٍّ أنا في الروع جديرُ
الثاني: أن يكون للتحيز؛ وهو الانضمام إلى فئة من المسلمين يتقوى بها بأن يكون في العدو كثرة وهو واحد أو نفر يسير يغلب على ظنهم إن ثبتوا أن يقتلوا بغير فائدة، وإن انضموا إلى جمع آخر تقووا بهم وعادوا إلى القتال، ففي مثل هذا يجوز الرجوع والتحيز وربما كان واجبًا وهذا راجع إلى فن الحرب أيضًا.
(1) النساء: 104
(2) الأنفال: 66