وهدي أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في فتوح الشام وأفريقية وغيرها زمن الخلفاء -رضي الله عنهم- يدل على أن الرجوع إلى مقر أمير الجيش للاستنجاد بفئة أخرى داخل في التحيز الجائز، وكذا الرجوع إلى أمير المصر للاستعانة به في إرسال جيش آخر كما وقع لما انهزم أبو عبيد ابن مسعود الثقفي يوم الجسر في القادسية وقُتِلَ هو ومن معه من المسلمين -رحمهم الله- فقال عمر -رضي الله عنه-: (هلَّا تحيّز إليَّ فأنا فئته) ، والآية دليل على أن الفرار من الزحف لسوى المأذون فيه من كبائر الذنوب كما دلت على ذلك السنة أيضًا، وإنما كانت كذلك لأن الفرار في هذا الموطن يوجب استئصال شأفة المسلمين، ويوقع الوهن في نفوس من ورائهم من أهل الإسلام، كما يوجد تسلط العدو واستيلائه على الديار، وذكر ابن عاشور أن ظاهر الآية تحريم التولي على المسلمين جماعات وأفرادًا إذا التقوا مع العدو في ملاحم القتال والمجالدة خاصة، ويؤخذ من هذا قاعدة من قواعد السياسة والتدبير في الحرب والقتال وهو أن المتعين على المتولي وقائد الجند أن يحتاط لمصلحة المسلمين في ذلك بالنظر قبل اللقاء، وهل يستطيع بمن معه من العدد وما يملكه من العتاد أن يثبت بجند في وجه العدو أو لا، لأن وقت المجالدة والقتال يضيق عن التدبير، ولأن الرأي في أحكام المصدر قبل اختيار المورد، فإنهم إن زحفوا إليهم وجب عليهم الثبات وإن كثروا، وهكذا الشأن إذا نزلوا دار العدو فإن رأوا له نجدة وزيادة قوة نظروا، فإن كان بهم طاقة قاتلوه وإلا انصرفوا بإذن أميرهم، أو أرسل في نجدتهم كما وقع في مواطن كثيرة في الفتوح في الشام والعراق، وفي غزوة إفريقية الأولى وغيرها.
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد دخل العريش وقت القتال يوم بدر وجعل يدعو الله تعالى ويناشده في نصرته، ثم خرج منه فأخذ حفنة من تراب فرماها في وجوه المشركين فما منهم واحد إلا وقد وصل منها إلى وجهه وعينه وفمه وأنفه بقدرة الله تعالى فكان ذلك سبب انكسار حدهم وهزيمتهم ولله الحمد، وهو معنى قوله {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} ، وهذا يصلح تعليلًا للنهي عن تولية الأدبار والأمر بالصبر والثبات، لأن الله تعالى هو الذي دفع المشركين عنهم وهم في عدد قليل وعدة قليلة، ولأن حصول قتل المشركين وما قارن ضرب المسلمين ورميهم من فعل الله سبحانه الخارق للعادة معجزةً للرسول - صلى الله عليه وسلم - وكرامة لأصحابه، وليأمن المسلمون كل ذلك يفيد تعليلًا للنهي عن الفرار، والأمر بثبات الأقدام عند اللقاء، وذلك تعريضٌ بضمان تأييد الله تعالى إياهم إن امتثلوا لقوله سبحانه: {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [1] ، وذلك يؤكد الوعيد على تولية الأدبار لأنه يقطع عذر المتولين والفارين، ثم إن لنصرهم على عدوهم علة أخرى هي أن يُبلي المؤمنين أن يعطيهم عطاءً حسنًا -مضارع أبلاه إذا أحسن إليه-، وذلك بما يفتح عليهم سبحانه من البركات في الدنيا والثواب في الآخرة فيشكرونه عليه، فيظهر ما يدل عن قيامهم بشكره مما تُختبر به طويتهم لمن لا يعرفها.
ثم افتتحت الآية التالية باسم الإشارة للتنبيه على ما يراد بعده فقال سبحانه: {ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ} ، والمقصود أن البلاء الحسن، أو البلاء والرمي كليهما لإضعاف كيد كفار قريش حيث قصدوا الإضرار بالمسلمين بوجه ليس ظاهره بمضره، وذلك أنهم لما ظنوا خيبة المسلمين إذ فاتتهم العِير التي خرجوا في طلبها أبووا الرجوع إلى مكة، وأقاموا على بدر لينحروا الإبل ويشربوا الخمر وتعزف على رؤوسهم القيان ليتسامع العرب فيخبر بأنهم غلبوا المسلمين فيصرفهم ذلك عن إتباع الإسلام، فاستدرجوا بذلك إلى هزيمة منكرة، وقتل صناديدهم وأئمة الكفر فيهم، ووهنت شوكتهم ولم يزل أمرهم من بعد سفال حتى فُلَّت جموعهم، ودخل الناس في دين الله أفواجًا.
وأنك لتسمع هذه الآيات تتلى فترى في سياقها صنع الله تعالى لأوليائه المؤمنين وعباده المجاهدين حيث رُفعت للإسلام راية، وخفق له لواء، وكأنما تتنزل هذه الآيات على المؤمنين غضّة طريّة في هذه الساعة، يعيشونها حادثة بعد حادثة، ويمرون بفصولها فصلًا بعد فصل، فتهوي إلى أسرار معانيها الأفئدة، وتمرح في رياض أنوارها الأرواح ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده والحمد لله رب العالمين.
(1) الأنفال: 46