الصفحة 32 من 33

تأمل في المعركة الدائرة اليوم بين المسلمين وعدوهم والذي يتولي كبرها عداءً للإسلام رعاة البقر من قتلة الهنود الحمر، وهي معركة لها كما يقال جذور وتاريخ نكتفي الآن بإرجاعه إلى سقوط الدولة العثمانية أي قبل نحو مائة عام، لأن الذين تآمروا على العالم الإسلامي إذ ذاك حسبوا أن الإسلام يذهب بذهاب تلك الدولة، ويزول بزوالها، والحق أن الحقبة التي سقطت فيها الدولة العثمانية تمثل أحطَّ الأدوار التي مر بها العالم الإسلامي في التاريخ المعاصر بل في تاريخ الإسلام كله، لكن هذا لا يعني البتة صحة ما ذهب إليه القوم، لأن للعالم الإسلامي جريَّا مع التعبير المعاصر حكومتين حكومة ظاهرة وهي التي تآمروا عليها وأسقطوها، وحكومة خفية هي العقائد الإسلامية الراسخة في المجتمع التي لا تزعزعها بالنظر إلى مجموع الأمة الشكوك، ولا تتطرق إليها الأوهام، والقانون الشرعي والأخلاقي وهو قانون ثابت الدعائم، مستقر الأركان، بلغ من قوته وثباته أن مكَّن المجتمع الإسلامي من الاحتفاظ بتماسكه ونظامه، وتوارث ذلك التماسك والنظام جيلًا بعد جيل رغم ما انتاب دوله من نوائب وما اجتاحها من أعاصير سياسية، بل الأعجب من هذا أن حكومة العالم الإسلامي الخفية هذه استطاعت أن تنهض به بعد كل نائبة عرضت له أصلب عودًا وأشد مراسًا، وهذا هو الذي يقع في العالم الإسلامي اليوم، لكن مشكلة العقل الغربي أنه يتعامل مع الإسلام ومع العالم الإسلامي بمنظاره هو، وهو منظار يطغى عليه الجانب المادي من جهة، ومن جهة أخرى تحكم الموروثات الثقافية بما تجمَّع فيها من إجحاف علماء أوروبا عبر القرون الماضية وإلى يومنا هذا في حق الإسلام ونبي الإسلام -صلوات الله وسلامه عليه-.

ومثل هذا يذهب بتلك الأمم بعيدًا عن فهم الإسلام على حقيقته، ومعرفة سرِّ بقائه وقوته وإن زعموا أنهم مطلعون على ذلك، وهو من الاستدراج المفضي إلى ما يحلُّ بالأمم من العقوبات من حيث تأتي بأسباب لا يتفطنون إلى أنها مفضية بهم إلى الضعف والهلاك، وعلى كل حال فظن هذه الأمم بالإسلام بعد التآمر عليه كظن كفار قريش خيبة المسلمين لما فاتتهم العير، كلاهما ظن سوء في غير محله، وكما أراد كفار قريش أن يصرفوا الناس عن إتباع الإسلام بإشاعة أنهم غلبوا المسلمين وهزموهم فكذلك صنع هؤلاء وما كانت الدعوة إلى إحياء القومية العربية وغيرها من القوميات والدعوات والمذاهب الجاهلية التي سنتحدث عنها -إن شاء الله- في موضع آخر من السورة والتي كانت بعد إسقاط الدولة العثمانية ما كانت هذه إلا لصرف الناس عن دين الإسلام، لكن الله تعالى جعل في الصراع الذي قام بين المعسكر الشيوعي الذي طور أفكاره (فلاديمير لينين) القائد الثوري الروسي في مطلع القرن العشرين اعتمادًا على كتابات وآراء (كارل ماركس) وبين المعسكر الرأسمالي النظام السياسي القائم على الملكية الخاصة والربح الخاص والذي يشمل الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، واستراليا، وكندا وغيرها جعل الله في هذا الصراع منفذًا لأهل الإسلام، وذلك عبرة من عبر الأكوان وحكمة من حكم التاريخ كما دلَّ عليه قوله سبحانه: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين) ، فصرف الله تعالى بذلك كيد طائفة من الكفار عن أهل الإسلام ليجعلهم سببًا في هلاك طائفة أخرى هي المعسكر الشيوعي، ثم كان هذا سببًا أيضًا في انتشار دعوة الإسلام وإحياء فريضة الجهاد في سبيل الله على الوجه الذي بيناه في المجالس السابقة، فأغاض ذلك من يتولون كبر الحرب على الإسلام ورأوا في دعوة الإسلام خطرًا يُهدد مصالحهم، وذلك من استدراج الله تعالى كما وقع لكفار قريش حذو القذة بالقذة، فإنهم حسبوا المعركة مع الإسلام من قبيل المعركة مع غيره من الأمم فما زاد صلفهم وعتوهم أهل الإسلام إلا إقبالًا عليها فكأنما كانت الصيحة الأخيرة للنذير العريان، فتدفق جند الله من كل حدب ينسلون، وكثرت البثوق على أعداء الإسلام، فما عادوا يدرون ما يصنعون، هذا وغيث الإسلام وَبلٌ لمَّا ينهمر بعدُ، والمسلمون أجناد مجندة في أنصار الإسلام لمَّا تؤويهم دولة واحدة، ويظلهم سلطان واحد وإن ذلك لكائن -إن شاء الله-، والأعجب من هذا كله أنه وقع لهؤلاء الكفار في هذه المعركة ما وقع لكفار قريش من الانقسام على أنفسهم، واختلاف الرأي فيهم حتى عرض بعضهم دولًا وجماعاتٍ وأفرادًا لإعانة المسلمين في حربهم هذه عروضًا لم تكن في الحسبان ولم يخطر ببال أحد من المسلمين يومًا أن تقوّض الحرب بنيانهم، وتفكك الروابط بينهم بهذه العجالة مما يجعلنا نتذكر حقيقة من الحقائق التاريخية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت