وهي أن كل شيء من التاريخ يصبح ماضيًا إلا الضغائن والأحقاد فإنها لا تنسى ومن اليسير تجديدها دائمًا وذلك من ثم من مدلولات قوله تعالى: {بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ} [1] , والحمد لله رب العالمين.
ولذلك فنحن نبشر المسلمين بأن مقتضى سنن الله تعالى الشرعية والكونية هزيمة العدو في هذه المعركة وانهدام بنيان دولته وتفرق أوصالها بإذن الله تعالى وقد كتبنا في ذلك جوابا عن سؤال مهم حول هذا في رسائل الثغور والحمد لله أولًا وآخرًا.
وقد روى الإمام أحمد في المسند بإسناد حسن، والنسائي في التفسير، والحاكم في المستدرك من طريق الزهري عن عبد الله بن ثعلبة بن أبي صعير العذري أن أبا جهل قال حين التقى القوم:"اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة"، فكان المستفتح، وقوله فأحنه الغداة من الحين الذي هو الموت، دعا به على من كان كذلك فنصر النبي - صلى الله عليه وسلم -، ونال عدو الله أبا جهل الحين ونال أصحابه.
وذكر السدي أن المشركين لما خرجوا إلى بدر أخذوا بأستار الكعبة فاستنصروا الله وقالوا:"اللهم انصر أعلى الجندين، وأكرم الفئتين، وخير القبيلتين"فقوله تعالى: {إِن تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ} تهكمٌ وتوبيخٌ لهم، أي: فقد جاءهم الفتح على سبيل التهكم، وفيها دليل على أن أبا جهل ومن معه من رؤوس المشركين كانوا مغرورين بشركهم، واثقين بدينهم، فأجابهم الله تعالى إلى ما طلبوا ونصر نبيه - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين، وقطع دابر الكفار والمشركين، ثم حذرهم التمادي على الشرك والعداء للإسلام لأنهم لا يكونون بذلك إلا مغلوبين مخذولين في الدنيا، ثم تكون عاقبتهم إلى النار في الآخرة، وتهددهم وأيأسهم بأنهم إن عادوا إلى مقاتلته عاد الله تعالى بالفتح له عليهم، ودالت الدولة للمؤمنين، ولن تدفع عن المشركين بطش الله تعالى وبأسه جماعة وإن كثرت عُدَّة وعددًا، ومن المفسرين من قال الخطاب في الآية للمؤمنين، ومعنى الآية أن الاستفتاح كناية عن الخروج إلى الجهاد وذلك يستلزم طلب النصر فإن تستنصروا في المستقبل ننصركم كما نصرناكم يوم بدر، وإن تنتهوا فتمسكوا عن الجهاد حيث لا يتعين فهو خير لكم لتستجمعوا قوتكم وأعدادكم، فأنتم في الجهاد -بإذن الله- منتصرون، وفي السلم قائمون بأمر الدين وتدبير مصالح دنياكم، وإن عدتم إلى طلب النصرة عدنا إلى نصرتكم لا ينقص ذلك من عطائنا شيئًا، والنصر غير مضمون إلا إذا استنصرتم بالله تعالى، فإن فئتكم لا تغني عنكم شيئًا ولو كثرت فكيف وأنتم قليل في العدد والعدة، وإنما مدار الأمر على الإيمان والصبر واليقين.
وفي هذه المعركة أيضًا استفتح العدو كما استفتح كفار قريش فكان ذلك أيضًا من مكر الله بهم واستدراجهم من حيث لا يعلمون إلى ما فيه تخضيب شوكتهم، وزوال ملكهم، فإن سنة الله تعالى لا تحابي أحدًا من الخلق، والعدو يعلم تمام العلم من الظالم الذي ملأ الأرض فسادًا وجورًا، ومن الذي يسعى في هلاك الحرث والنسل، ومن الذي ترتفع أكف النساء والصبية والصالحين لا تكف عن الدعاء عليه ليلًا ونهارًا بأن يفرق الله جمعه، وأن يهلكه بجند من عنده، وما الكوارث التي تحلُّ به في كل حين إلا من آثار تلك الدعوات الصالحات المباركات، وإن في الغيب للإسلام لسهامًا حان أوانها، وإن في كنوز الله تعالى لرجالًا يتربصون، فدونكم عدو الله يا أبناء الإسلام، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
(1) الحشر: 14