الصفحة 8 من 33

بالسيوف وهي الغنيمة، وفي تقديم المجرور في قوله {وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} إفادة الاهتمام والحصر، وفيه التعريض بالمشركين الذين يعلقون أمورهم بمعبوداتهم من دون الله، ومن كان توكله على الله حقًا رزقه كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا مع التبرؤ من كل حول وقوة إلا حول الله وقوته، وفي هذا الوصف أيضًا تحذير للمؤمنين من أن تبقى في نفوسهم آثارٌ من التعلق بما نهوا عنه، وأن يتوهموا أنه متى فاتهم فقد فاتهم كثيرٌ من الخير.

وأما إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فجيء فيهما بالفعلين المضارعين للدلالة على تكرار ذلك وتجدده؛ لأن ذلك ما يقتضيه أمر الشارع بهما أولًا، ولأن من شأن الصلاة أن تنهى صاحبها المحافظ عليها المعظم لقدرها عن الفحشاء والمنكر، ومن المنكر فساد ذات البين والخروج عن طاعة الله ورسوله وامتثال أمرهما ومن الفحشاء الفحش في القول فإن الفحشاء لفظ عام في كل ما أفرط قبحه كما قال البيضاوي، فيدخل في ذلك القول والفعل وإنما ذكر هذا؛ لأن مواطن الخصومات مظان الإفحاش في القول كما قال تعالى: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا} [1] ، وحفظ اللسان عن الغلظة وفحش القول مظنة إصلاح ذات البين، وبهذا تعلم عظم الجناية التي يقع فيها المتطاول إلى ما لا يحسن من العلم كحال كثير ممن باتوا يعرفون اليوم بكُتاب المنتديات الإسلامية في الشبكة العنكبوتية، فقد رأيت في بعضها من هُجر القول والتنابز بالألقاب ما لا يجوز السكوت عليه وما يجب معه تبرئة ساحة من جاهد لإعلاء كلمة الله، وأشد ذلك هُجرًا وأعظمه نُكرًا أن يكون أفحشه صادرًا عمن ينتسب إلى المشيخة والعلم مما لا تجد له مثيلًا في الشرع حتى في ذم الشارع لليهود والنصارى فكيف يصح أن يوصف به المخالف من المسلمين، وخلافه وإن عظم فإنما هو باجتهاد منه لا عداءً للإسلام وأهله والحق أن العلم إذا طلب لله تعالى فإنه لابد أن يهذب أخلاق صاحبه ويمنعه عن مثل ذلك، وصدق الله تعالى فإن القوم لما هجروا الهدي الذي أرشدهم إليه كتاب ربهم وهو قول التي هي أحسن وعدلوا عنها إلى ما نهى الله تعالى عنه نزغ الشيطان وأولياؤه من اليهود والنصارى والمنافقين بينهم واتخذوا ذلك وسيلة للتحريش بين المؤمنين حتى صارت هذه المنتديات منفذًا لمن أراد منهم لأهل الإسلام شرًّا، ولكن الجاهل قصير النظر ضيق الأفق، فأنّى له أن يتأمل في عاقبة ما يصنع، ثم من اتصف بصفة الإنفاق في سبيل الله كما ذكر في الآية لم يأبه لما فاته من عرض الدنيا، ولم يُنازع عليه أحدًا فضلًا عن أن يخالف أمر الله تعالى لأجله، كيف والمخاطبون بذلك هم من هجروا الأوطان وتركوا المال والأهل والإخوان طمعًا في مرضاة الله تعالى يريدون بذلك أن ينصروا الله ورسوله حتى وصفهم الله تعالى لأجل ذلك بالصادقين، فمن كان هذا حالهم فهم أكرم الناس فإن الجود بالنفس أقصى غاية الجود كما يُقال فلا يليق بهم التنازع في شيء من أمور الدنيا وإن كان عظيمًا.

وبهذا التقرير يتبين خطأ القول بأنه لا علاقة للصلة المذكورة في جملة الصلاة والإنفاق بأحكام الأنفال والرضى بقسمها ولكنه مجرد المدح كما قال بعض المفسرين، بل الأمر كما بيناه والله أعلم، وحسب من اتصف بهذه الأوصاف المذكورة شرفًا وكرامة عند الله أن يشهد له بالإيمان سبحانه، وأن يكون له واللام هنا للاستحقاق درجاتٌ والتنوين فيها للتعظيم، لأنها مراتب متفاوتة، وقوله عند ربهم تكريم وتشريفٌ بذكر محل الدار وعظمة الجار بعد ذكر حسنها لأن هذا مما يزيد الرغبة فيها والإقبال عليها، ولما كان المرء لا يتم له مع ذلك الهناء بالعيش مادام يتوقع المؤاخذة بما صدر منه من التقصير في حق رب الدار حتى إنه ربما توقع أن يُخرجه منها ولو بعد حين ذكر المغفرة والمسامحة على ما فرط منهم في حقه تفضلًا منه وتكرما، فأمنوا بذلك من توقع المحاسبة والمؤاخذة، وزادهم رزقًا كريمًا أي: طيبًا وافرًا بغير حساب، والكريم هو الشريف الفاضل الحسن، والكريم اسم جامع لكل ما يُحمد ويُستحسن وقد كثر استعمال هذا الوصف في الكتاب العزيز فوصف به القرآن وفيه أيضًا: {مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} [2] وفيه {وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} [3] وفيه {وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [4] .

(1) الإسراء: 53

(2) لقمان: 10

(3) النساء: 31

(4) الإسراء: 23

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت