تعالى وسنة رسوله -صلوات الله وسلامه- عليه بعد مماته، فدل هذا على أن العلم ضروري للجهاد، وأن الجهاد لا يكون جهادًا حتى يجيء على وفق العلم.
واعلم أن السورة بحسب موضوعاتها أقسام:
فالأول منها من بداية السورة إلى نهاية الآية التاسعة والعشرين وهي قوله تعالى: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [1] ، وموضوع هذا القسم منها بيان حكم الأنفال على سبيل الإجمال، وأمر المؤمنين برد ذلك إلى الله ورسوله وإصلاح ما بينهم من الأحوال والتذكير بصفات المؤمنين التي تعين على ذلك، ثم اعتبار ما أمروا به في شأن الأنفال بما وقع لهم في شأن خروجهم إلى بدر، وأنما يختاره له سبحانه خيرٌ مما يختارونه لأنفسهم، وإقامة البرهان على ذلك بذكر ما وقع لهم من النعم العظيمة، والتأييد البائن في خروجهم للقتال، ثم الأمر بما يوجبه ما تقدم من معية الله سبحانه ومن إحسانه وتأييده وهو الثبات عند اللقاء والتحذير من الفرار، وما يجوبه من الشقاء وجهد البلاء وشماتة الأعداء، والتشجيع على الثبات من بعد أيضًا بذكر المعيّة الخاصة للمجاهدين {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} ثم نداءات أربعة للمؤمنين:
الأمر بطاعة الله ورسوله عامة وفي الجهاد خاصة، والتحذير من التشبه بمن كتب عليهم القتال فتركوه من بني إسرائيل، والأمر بالاستجابة لله تعالى فيما دُعوا إليه من الجهاد الذي به حياة الأمة وبقاؤها، والتحذير من خيانة الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - بالإعراض عن الجهاد والانشغال عنه بالمال والولد، والتذكير بأن تقوى الله تعالى بلزوم طاعته والجهاد في سبيله وسيلة يُستجلب بها نصر الله تعالى للمؤمنين والإدانة لهم على عدوهم بالفرقان بينهم وبينه.
فأما تفصيل ما أجملناه في هذا القسم من السورة فقال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [2]
مضى الكلام على الآية الأولى وقوله في آخرها {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ليس المراد منه التعريض بضعف إيمانهم وإنما المراد التحريض على إظهار الخصال التي يتطلبها الإيمان، وإذا عقّب هذا الشرط بجملة القصد التي وقعت موقع التعليم لما أمروا به وما تضمنته هذه الجمل التي بعد {إِنَّمَا} يحمل المتصفين بما ذكر من الأوصاف على امتثال ما أمروا به، وهذه الأوصاف المذكورة هي لإقامة الدليل على دعوى الإيمان بتصديق الأفعال للأقوال، وقد جمعت هذه الأوصاف كما أشار البقاعي أفعال القلوب والجوارح والأموال، ودلّت الآيات على أن الاتصاف بما ذكر موجبٌ إصلاحَ ذات البين؛ فإن المراد من ذكر الله ما هو أعم من إجراء اللفظ على اللسان فيشمل أحكامه، وحلاله وحرامه، وأمره ونهيه، وعقابه وعظمته، وثوابه ورحمته، وإنما أجملت الآية ذكر الله لمناسبة معنى الوجل وهو الخوف المصحوب باستعظام الموجول منه، وكل هذا يحصل معه الوجل في قلوب كُمّل المؤمنين ومن كان هذا حاله من المؤمنين رضي بما أمر الله تعالى به، وترك التنازع والخصام، وفوّض الأمر إلى حكم الله وحكم رسوله -صلوات الله وسلامه عليه-، وإذا كان من شأن المؤمن أن يزداد إيمانه إذا تليت عليه آيات الله فإن المتعلق من ذلك بهذا المقال أن سماع الآيات النازلة في حكم الأنفال تزيد إيمان المؤمنين قوة بنبذ الشقاق والتنازع الذي طرأ عليهم بسبب الأموال المكتسبة
(1) الأنفال: 17
(2) الأنفال: 1 - 4