الصفحة 6 من 33

والجواب عنه أن يقال: إن المذموم من ذلك ما كان خالصًا لطلب المال والدنيا بحيث لو غلب على ظنه أنه لا يقع له ذلك لم يخرج إلى القتال أصلًا، حتى إن مالكًا -رحمه الله- كره أن ينادى بالسلب قبل القتال وقال: ولو كان النفل قبل القتال لكان قتالًا على الدنيا، كما ذكره ابن عبد البرّ في الكافي، أو أن المذموم من ذلك طلبها -يعني طلب الغنيمة- على وجه يفضي إلى الخصومة والمنازعة، أو يقال في الجواب: إن المعاتبة على تعجلهم في شأن الأنفال ولما يقضِ الله تعالى فيها أمره وبين ظهراني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان عليهم أن يفوضوا ذلك إليه.

وللفقهاء -رحمهم الله- أقوال في حكم الأنفال راجعة إلى اختلافهم في المراد من الآية، وهو أمر يسع الاختلاف فيه لسعة الإطلاق في أسماء الأموال الحاصلة للغزاة، وحاصل عبارة المفسرين -رحمهم الله- في هذا الموضع أن الصحابة -رضي الله عنهم- وقع بينهم اختلاف في استحقاق الغنائم يوم بدر فكان ذلك سبب نزول السورة كما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- وإنما سميت بالأنفال وهي من النَفَل، ويعني الزيادة لغة؛ لأنها رحمة من الله تعالى، ولأنهم فُضلوا بها عن سائر الأمم كما قال أبو عبيد في كتاب الأموال: النَفَل إحسانٌ وتفضلٌ من المنعم فسميت الغنائم أنفالًا، انتهى كلامه.

وقوله سميت أنفالًا لأجل ذلك فيه نظر، بل هو اسم استعملته العرب قديمًا كأنهم يرونها أمرًا زائدًا عن المقصود بالحرب؛ لأن المقصد الأهم منها إبادة الأعداء.

والسؤال عنها سؤال لاستدعاء المعرفة، يعني في قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ} لكون الفعل عدّي بـ عن وهو اختيار جماعة من المفسرين، وقيل بل هو سؤال استعطاء ورد هذا الثاني بقوله: {قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} [1] ؛ لأن المراد بيان حكمها، ويمكن أن يجاب عن هذا بأن رد حكمها إلى الله والرسول لا ينافي إعطاءه إياهم بل يحققه، ويكون سؤال الاستعطاء بموجب حكم الله تعالى الذي أوحى به إلى رسوله -صلوات الله وسلامه عليه-، وعلى المعنيين ففي هذا المطلع من السورة إشارة إلى ما ينبغي على المسلمين عامة والمجاهدين خاصة من استحضار معيّةِ الله تعالى لهم في جميع أمورهم وعلى اختلاف شؤونهم وأحوالهم، وأن الله تعالى يصنعهم على عينه، ويربيهم بشرعه وأحكامه، ولا يكلهم إلى أنفسهم، وذلك مما يفرح بهِ المؤمن ويستبشر به، وإنما تتحقق معيّة الله تعالى للمجاهدين بأمرين:

الأول: إخلاص الوجه له سبحانه، وأن يكون الجهاد خالصًا لطلب مرضاته فلا يصد المرء عنه شيءٌ من أمور الدنيا ولو كان في أعين الناس عظيمًا، وإذا كانت الأنفال التي هي من ثمرات الجهاد في سبيل الله لا يجوز أن تكون حائلًا بين العبد وبين طلب مرضاة الله تعالى بامتثال أوامره ولزوم طاعته فما هو دونها من أمور الدنيا أولى بألا تكون كذلك، ولذا قال سبحانه: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ، وتقوى الله تعالى جامعة لكل ما يحبه سبحانه وفيه مرضاته، فهو تنبيه والتفات إلى ما جلّ أمره وعظم خطره، وإنما قُدّم الأمر بها لذلك ولذا أجاب عن أمر الأنفال هنا جوابًا مجملًا وأرجأ تفصيل أحكام الغنيمة إلى الآية الحادية والأربعين من السورة، وتقوى الله تعالى وإرادة إعلاء كلمته ترفع النزاع وتقضي بوجوب إصلاح ذات البين فدل على أن فسادها مجانب للتقوى خارجٌ عنها، والأمر بطاعة الله ورسوله هو مقتضى التقوى أيضًا وذلك شامل لكل ما أمرا به ونهيا عنه، والواجب هو الامتثال وإن خفي عن العبد وجه المصلحة في المأمور به والمنهي عنه.

والثاني: كون المجاهدين مع الله تعالى فإن من كان مع الله سبحانه كان الله معه، ولازم ذلك ألا يصدر المجاهد في عمل من أعماله إلا عن حكم الله تعالى، وحكم رسوله -صلوات الله وسلامه عليه- وذلك بالرجوع إليه في حياته، وإلى العلم بكتاب الله

(1) الأنفال: 1

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت