هذا والشورى ممَّا جبل لله عليه الإنسان في فطرته السليمة أي فطره على محبّة الصلاح وتطلّب النجاح في المساعي،ولذلك قرن الله تعالى خلق أصل البشر بالتَّشاور في شأنه إذ قال للملائكة: { إني جاعل في الأرض خليفة } [ البقرة:30 ] ،إذ قد غَنِي الله عن إعانة المخلوقات في الرأي ولكنَّه عرض على الملائكة مراده ليكون التَّشاور سنّة في البشر ضرورة أنّه مقترن بتكوينه،فإنّ مقارنة الشيء للشيء في أصل التكوين يوجب إلفه وتعارفه،ولمَّا كانت الشورى معنى من المعاني لا ذات لها في الوجود جعل الله إلفها للبشر بطريقة المقارنة في وقت التكوين.
ولم تزل الشورى في أطوار التاريخ رائجة في البشر فقد استشار فرعون في شأن موسى عليه السَّلام فيما حكى الله عنه بقوله: { فماذا تأمرون } [ الأعراف:110 ] .
واستشارت بلقيس في شأن سليمان عليه السلام فيما حكى الله عنها بقوله: قالت يأيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون وإنَّما يلهي النَّاس عنها حبّ الاستبداد،وكراهية سماع ما يخالف الهوى،وذلك من انحراف الطبائع وليس من أصل الفطرة،ولذلك يهرع المستبدّ إلى الشورى عند المضائق.