لقد جاءت الأحداث الأخيرة التي ألمّت بالأمة من كل أطرافها - وعلى رأسها احتلال أفغانستان والعراق من قبل القوات الصليبية - لتكشف حقائق كثيرة طالما بقيت طي الكتمان، ولتعري أدوار الكثيرين ممن ينتسبون إلى الإسلام، وهم في ذات الوقت يقومون بدور تخريبي وهدام لا يستهان به من داخل حصونه.
وكثيرة هي الفرق والجماعات التي جلست متفرجة وهي ترى الأمةَ والأعداءُ ينهشون بها من كل جانب، وكثير هم الأفراد ممن آثروا السلامة ونأوا بأنفسهم عما يجري لهذه الأمة من قتل وتدمير منظم على يد أعداءها، فان كانت دماء المسلمين في البوسنة أو في كشمير أو في الشيشان ومن قبلها فلسطين وغيرها؛ لم تحيي فيهم الحس الإسلامي ولم توقظهم من رقدتهم العميقة وسباتهم الطويل، فما بالهم قد ماتت مشاعرهم وهم يرون بلاد المسلمين تحتل الواحدة تلو الأخرى في حملة صليبية شرسة، جنّد لها الأعداء كل ما يستطيعون للقضاء على هوية المسلمين وسلب ديارهم ونهب ثرواتهم وجعلهم عبيدا لديهم؟!
ألم يكفهم أفغانستان والعراق؟ أم يريدون بلادا أخرى تسقط تحت نير الاحتلال الأجنبي لكي ينتبهوا من غفلتهم ويصحو مما هم فيه من وَهْمٍ وبُعدٍ عن الحقيقة وتعلقٍ بالدنيا وانجرارٍ خلف سرابها الزائل؟!
أما آن لهم أن يروا ما يجري من صراع دام بين قوى الكفر والنفاق من جهة والمجاهدين في سبيل الله من جهة أخرى، ذلك الصراع الذي تدور رحاه في كل زاوية من هذا العالم.
وليت بعضهم جلسوا متفرجين ولم يحركوا ساكنا، فهم أهون في إثمهم من أولئك الذين استلوا سيوف العداء لإخوانهم الذين يبذلون أرواحهم فداء لهذا الدين.
فمثل هؤلاء لا يقل أذاهم عن أذى المحتل الأجنبي، إن لم يكن أكثر منه، عندما رضوا بان يكونوا عونا للكافر المحتل وأذنابه سواء بأيديهم أو بألسنتهم، وصدق الله تعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 179] .
فالحمد لله أن جاءت هذه الأحداث لتكشف النفوس على حقيقتها، فالرجال - بل حتى الكثير من المناهج المنسوبة إلى الإسلام - لا تعرف إلا أيام المحن، ولولا حكمة الله تعالى في البلاء، لما بان حق من باطل ولا عرف هدى من ضلال.
فالأمة الآن وهي تحاول النهوض من تحت ركام دنياها الزائلة وحطامها الفاني، نافضة عن نفسها غبار الهزيمة والهوان، وشاقة طريقها نحو الآخرة، متجاوزة كل الأهوال ومتخطية كل الصعاب، تجد نفسها محاطة بأعداء قد تنوعت ألوانهم وتعددت أجناسهم، كلهم يحاول النيل منها وإرجاعها إلى دائرة الذل والاستعباد.
إلا أنها - ولله الحمد - أبت أن تعطي الدنية في دينها، ولن ترضى حتى ترى راية الدين خفاقة في كل مكان، تحكم بكتاب ربها وسنّة نبيّها عليه الصلاة والسلام.
وفي ظل هذه المعركة القاسية؛ يخرج علينا بين الحين والآخر من يحاول فرض واقع الهزيمة والاستسلام عليها، وجعلها امة مستعبدة لاعداءها، وهذه المرة باسم الدين، كأمثال"المداخلة"- الجامية - وأشباههم من الجماعات والأحزاب المتسمّية بالإسلام والتي أصبحت معاول هدم لبنائه، وعقبة كأداء في طريق مسيرته.
ولخطورة الأفكار التي يؤمن به هؤلاء، واللبس الذي وقع فيه البعض مما يدعون إليه، وردا لبعض الشبهات التي يطلقها أصحابها، وتحذيرا لأبناء الأمة من الوقوع فيها، كتبت هذه الكتاب الذي أسميته"المناهج الهدامة في العراق ودورها في الحرب الصليبية المعاصرة"، ألقيت الضوء من خلاله على منهجين خطيرين، يحملان في طياتهما أفكارا تودي بأصحابها إلى التهلكة، وتلبس على الناس أمر دينهم.
الأول؛ هو منهج"المداخلة"أو الجامية: الذي ظهر في العراق نتيجة جملة أسباب، منها الظرف العصيب الذي يمر به هذا البلد الجريح، ومنها الدعم اللامحدود الذي تقدمه الدوائر المعادية لترويج هذا الفكر الهدام، وأسباب أخرى تطرقت إليها في الكتاب.
أما المنهج الآخر؛ فهو ذلك الذي يقوده"الحزب الإسلامي"هناك: والذي يستمد أفكاره من فكر الإخوان المسلمين، مع إدراكي التام للبون الشاسع بين المنهجين، غير متناس لحجم التضحيات التي قدمها الإخوان في مواجهتهم للطغاة الآثمين في بداية نشأتهم قديما.
غير إن الأمر لا يتعلق فقط بتاريخ جماعة من الجماعات بات ماضيا لا يمت بصلة إلى الواقع الذي تعيشه، وإنما الأصل الشرعي لتقييم أي منها يجب إن يكون مستندا إلى مدى قربها وبعدها عن منهج الكتاب والسنة.
كما أن الظروف القاسية والاستثنائية التي تمر بها الأمة توجب علينا إعادة النظر في هذه المناهج، ومعرفة صحيحها من سقيمها، وتحتم علينا أن ندع الأسماء والشعارات جانبا وننظر إلى المواقف والأدوار معتدين بالأفعال لا الأقوال.
فبعض الفرق والجماعات باتت تحدث تأثيرا سلبيا في حركة الأحداث التي تعصف بالأمة - ولا سيما وهي تخوض معاركها مع العدو الصليبي وأتباعه ومن وراءهم اليهود في مشارق الأرض ومغاربها - كما أنها أضحت تشكل خطرا لا يستهان به على مسيرة الدعوة والجهاد، كان لابد من بيانه والحديث عنه.
فما كان صوابا فهو من الله وحده، وما أخطأت فيه فمني ومن الشيطان.
وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا اله إلا أنت أستغفرك، وأتوب إليك.
عبد المحسن الرافعي