كلنا يعلم بان مظاهر الصحوة التي بدأت بالظهور منذ عقدين أو أكثر، كان وراءها جملة من الأسباب، ومنها الدور الذي قام به الدعاة المخلصون من أبناء الأمة، وعلى رأسهم العلماء العاملين وطلبة العلم المجدّين، الذين انبروا لنشر دعوة التوحيد القائمة على مبادئ الكتاب والسنة، حتى انتشرت هذه الدعوة في مشارق الأرض ومغاربها.
وهؤلاء الأخيار من الأمة؛ لم يتغيروا على حين غفلة من الزمن، ولم ينقلبوا على الأفكار التي كانوا يدعون إليها، بل ثبتوا على ما هم عليه، فلم تثنهم المصائب والفتن عن السير في الطريق الذي ساروا عليه من قبل، ولم تفت من عضدهم كثرة المحن وعظم البلايا التي مروا بها، بل زادتهم إيمانا إلى إيمانهم وإصرارا على الحق، ليس له مثيل، ومثل هؤلاء يصدق فيهم قوله تعالى: وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) [آل عمران: 146] .
أما الصنف الثاني ممن يحسبون على مشايخ الصحوة؛ فهؤلاء قد سلكوا طريقًا آخر غير الذي ابتدءوا به، فبعد أن كانوا يوما من دعاة الحق الصادعين به، ولبلاء مروا به كما مر به غيرهم، تجدهم اليوم منزوين منطوين مكتفين ببعض البرامج الإعلامية على هذه الفضائية أو تلك، ليرددوا كلاما هو اقرب إلى كلام"المداخلة"في تمييع الأمور وخلط الحقائق.
وليخرجوا علينا ببدعة جديدة ما أنزل الله بها من سلطان وهي بدعة؛"الجهاد الوطني"- وان لم يسمونها بهذه التسمية، ولكنها اقرب إلى هذا المعنى - فهم - وبعد جهد جهيد وانتظار طويل - اعترفوا مشكورين بمشروعية الجهاد في العراق، إلا أنهم قصروه على أهل العراق، ولم يجيزوه لغيرهم!
وكأن الجهاد حكر على أناس دون آخرين! وكأنه أضحى يخضع لمقاييس الجنسية ومعايير الوطنية! بدلا من ضوابط الشرع الحنيف، ولا أدري هل وجدت اتفاقية"سايكس/بيكو"طريقا إلى عقولهم، فتفتقت عن هذه الفكرة الغريبة ليضيفوها إلى باقي أفكارهم التي باتوا يخرجون بها علينا بين الفينة والأخرى؟!
وتجدهم يستغرقون في الحديث عن مواضيع لا تمت بصلة إلى الواقع الأليم الذي يعيشه المسلمون، وليت شعري هل نسوا فقه الواقع الذي أصموا بها الآذان يوما؟!
وهؤلاء الذين يطلق عليهم اليوم مصطلح"شيوخ الصحوة"- حسب توصيف الدوائر الخاصة - يقومون بدور، هو الآخر يصب في دائرة خدمة الأعداء - شعروا بذلك أم لم يشعروا به -
فوالله حينما ترى واحدًا من هؤلاء وهو يحاول الإجابة على بعض الأسئلة في تلك"الفضائحيات"، فان المرء ليشفق عليهم أسفًا على الحال الذي وصلوا إليه، وهم يتلعثمون في سياق الكلمات، ويتكلفون بصياغة العبارات، محاولين التهرب من الإجابة على بعض الأسئلة، كي لا يقعوا تحت طائلة"المؤيدين للعنف والإرهاب"- حسب زعمهم -
فهم يحاولون إرضاء"ولي الأمر"من جهة، وفي نفس الوقت يريدون أن يجعلوا أنفسهم قادة وموجهين للشباب، وبعبارة أخرى؛ فهم يحاولون الإمساك بالعصا من المنتصف!
وهذا أمر لا يستقيم في الدعوات، فالجهر بكلمة الحق هو من السمات الأساسية للعلماء الربانيين الذين لا يخافون في الله لومة لائم، وان كانوا غير قادرين على ذلك؛ فالأولى بهم الجلوس في بيوتهم وكف ألسنتهم عن الأخيار الصالحين من سادة الأمة المجاهدين، وحين ذاك لن يلومهم أحد على ذلك، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
أما أنهم يريدون تقمص شخصية القائد الموجه، والداعية المرشد، مستندين إلى أمجاد الماضي الذي عاشوه، فهذا غير مقبول على الإطلاق.
يقول سيد قطب رحمه الله: (إن كلمة الحق في العقيدة لا ينبغي أن تحجم، إنها يجب أن تبلغ كاملة فاصلة، وليقل من شاء من المعارضين كيف يشاء، وليفعل من شاء من أعداءها ما يفعل، والمطلوب هو عدم المداهنة في بيان كلمة الحق كاملة في العقيدة، وعدم اللقاء في منتصف الطريق قي الحقيقة ذاتها، فالحقيقة الاعتقادية ليس فيها أنصاف حلول) [الدعوة في ضلال القران] .
ولقد فطن أعداء الله إلى هؤلاء، وبدءوا باستخدامهم في التأثير على الشباب الذي أثقل كاهله ما يرى من مآس وأحزان تعصف بالمسلمين اليوم.
وان كنا نعرف بأن هذه الفئة ليست من"المداخلة"، بل هم على العكس ما زالوا محسوبين على قائمة خصومهم، إلا أن أفكارهم التي يطرحونها تلتقي مع"المداخلة"في الكثير من النقاط، وفي النهاية فهم يخدمون مخططًا واحدًا، بغض النظر عن نوايا كل من الفئتين.
علمًا بأن الحكومات الطاغوتية ما زالت لا تطمئن إلى هذه المجموعة من المشايخ، ويعتبرونها مناوئة لهم، مع كل ما قدموه من تنازلات ومواقف مهينة، لان الأعداء - وكما هو معلوم - لا يكتفون حتى يروا المسلم وقد تجرد من كل شيء، وحتى يصبح وسيلة رخيصة بأيديهم - كما هو حال"المداخلة"وأشباههم - وعندها سيكون مرضيا عنه ومقدما لديهم.
ونصيحتنا لهؤلاء المشايخ؛ بأن يراجعوا مواقفهم، ويُعْملوا نظرهم فيما آل إليه حال المسلمين، ولا يجعلوا أنفسهم أداة يستخدمها أعداء الله في محاربة المسلمين، وليبتعدوا عن العيش في الأوهام والانسلاخ من الواقع، فسفسطة الكلام والتلاعب في الألفاظ صار لا يجدي نفعا، وأساليب ذر الرماد في العيون - هي الأخرى - باتت لا تنطلي على احد.
وان كانوا غير قادرين على تحمل مسؤولياتهم المناطة بهم تجاه دينهم، والقيام بواجب الصدع بالحق، ومحاربة الباطل؛ فلن يعتب عليهم أحد إن أغلقوا عليهم أبواب بيوتهم واعتزلوا الآخرين، فلكل زمان رجال ... ورجال هذا الزمان هم السادة المجاهدون.