الصفحة 6 من 9

أحببت ابتداء أن اجعل هذه الرسالة خاصة بـ"الفكر المدخلي"، ولكن لضرورة الأمر وتداخل المواقف وتشابه الأدوار، كان لزاما علي أن أتطرق إلى دور مقيت لفئة أخرى، تشابهت مواقفها مع"الجامية"أو"المداخلة"على أرض العراق، وهو موقف ما يسمى بـ"الحزب الإسلامي".

وقبل أن أبين حقيقة هذا التشابه؛ كان لابد من التعريج قليلًا على أصل هذا الحزب وتاريخ نشأته، وبإيجاز شديد.

فهذا الحزب ليس سوى واجهة من واجهات الإخوان المسلمين المنتشرين في أماكن كثيرة من العالم الإسلامي.

ولا يخفى على المطلع بأن حزب الإخوان المسلمين تأسس في عام 1928م علي يد الشيخ حسن البنا رحمه الله، ومن ثم فإن الإخوان المسلمين مروا بمراحل عديدة على مدى تاريخهم، قدموا فيها التضحيات الكبيرة، إلا أن مشكلة حزبهم هو أنه يحمل فكرًا تجميعيًا، لا يهتم إلا بالعموميات، مما جعله يبتعد كثيرا عن الفهم الصحيح لعقيدة التوحيد، كما انه لم يعر السنّة الاهتمام المطلوب، ولذا ترى أتباعه يقيمون على كثير من البدع التي ينكرها الإسلام.

ومن طاماته التي كانت سببًا رئيسيًا من أسباب انحرافه؛ هو الحزبية المقيتة، التي تربط بين أعضائه، مما يجعلهم يتغاضون عن أخطاء بعضهم البعض.

كما أن من نظرياته التي أدت إلى اقترابهم من بعض الفرق الضالة - كالرافضة مثلًا - هي المقولة التي تنقل عن الشيخ حسن البنا رحمه الله؛ (لنجتمع على ما اتفقنا عليه، وليعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه) - وهذه المقولة التي اعتبرت عند الإخوان قاعدة لا يحيدون عنها، هي باعتقادي واحدة من أهم الأسباب التي أدت إلى تساهل الإخوان في تعاملهم مع أعداء المسلمين، وتبسيطهم لجملة الخلافات بين المسلمين وغيرهم - ولذا فإنهم لا يرون غضاضة في التعاون مع الرافضة والتوسع في هذا المجال، على اعتبار أن الخلاف بينهم من الممكن أن تسعه القاعدة المذكورة.

وهناك الكثير من القواعد العامة التي تجمع الإخوان، مما لا يسع ذكره في هذه العجالة، ولكن قد تجد من يشذ على هذه القواعد، وتراه مهتما بأمر التوحيد، وكذا الاهتمام بسنّة النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك رفضهم الاحتلال ودخولهم في مقاومته باليد واللسان، ولربما هم يختلفون كذلك من بلد لآخر، وحسب طريقة تلقيهم لهذه الأفكار.

وعلى سبيل المثال حماس؛ فمع أن موضوعنا متعلق بالعراق، إلا إن أهمية الدور الذي تلعبه حماس على الساحة الفلسطينية، والصبغة الاخوانية لهذا التنظيم، إضافة إلى المسلك الجهادي الذي تسلكه، والذي تسميه"مقاومة"؛ جعلني أعرج وبعجالة على بعض من أفكار ومواقف هذه الحركة.

وذلك للفائدة المرجوة من بيان ذلك، على سبيل النصح والتذكير، وإنصافا لمن سلك هذا الطريق، وان كان على منهج مخالف للمنهج السلفي الذي تسلكه عامة التيارات الجهادية.

وابتداء نقول؛ بان تنظيمات الإخوان - بمجملها - لا تقر الجهاد وسيلة للتغيير، وإنما باتت تعتمد الطرق الغربية المعهودة، كالانتخابات وغيرها من وسائل مستوردة، رافعين شعار ما يسمى بالديمقراطية، ودخول البرلمانات، في ظل الحكومات الطاغوتية، التي كانت تقارعها يوما ما.

أما حماس؛ فان الذي يميزها عن باقي حركات الإخوان في العالم هو انخراطها في عجلة الجهاد، نتيجة للظروف التي يمر بها أهلنا في فلسطين، والتي دعت الكثير من حملة التوجهات الإسلامية إلى السير في هذا الطريق، ولا يمكن لأحد أن ينكر الدور الكبير الذي قامت به حماس في جهادها للمحتل اليهودي الغاصب، ولا التضحيات الجسام التي قدمتها، نسأل الله أن يتقبل شهداءهم ويفك قيد أسراهم، ويهدينا وإياهم إلى سواء السبيل.

إلا أن المشكلة المزمنة التي يعاني منها الإخوان في كل مكان - في حماس أو في غيرها - هي جملة الأفكار التي ورثوها من قبل، والتي يرفض قادة الإخوان التخلي عنها، إضافة إلى النزعة الحزبية القاتلة التي تقف عقبة أمام أي استعداد للتغيير.

فالذي يُخشى على حماس؛ هو انجرارها وراء بعض قادتها السياسيين ممن تأصل في عقولهم فكر الإخوان، ومثل هؤلاء لا يجدون غضاضة في التعامل مع الرافضة وأمثالهم لنفس السبب الذي ذكرناه آنفا، كما أن المنحى السياسي الذي يغلب على هؤلاء لن يجعلهم في منأى عن التأثيرات الإقليمية للحكومات الطاغوتية في المنطقة.

وأنا باعتقادي - وأرجو أن أكون مخطئا - بأن حماس إن بقيت على الحال الذي هي فيه - ولا سيما بعد موت كبار قادتها من أمثال الشيخ أحمد ياسين والدكتور عبد العزبز الرنتيسي رحمهم الله - فإنها في النهاية ستركب سفينة ما يسمى بـ"السلام"إلى جانب أولئك الذين فرطوا بحقوق المسلمين في فلسطين يوم أن وقعوا على اتفاقية بيعها في أوسلو وغيرها.

وللأسف فان بعض بوادر هذا التوجه بدأت تظهر في الأفق، حيث بدأنا نسمع الحديث عن الانتخابات والديمقراطية وغيرها من أحاديث التي لم تكن يوما موجودة في قاموس هذا التنظيم الإسلامي، يوم أن كان يرفض الانخراط في أي عملية سياسية ما لم يتم التبرؤ من اتفاقيات الاستسلام وبيع فلسطين، التي وقعتها منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة رئيسها الهالك.

في الحقيقة إن حماس اليوم أمام مفترق طرق، ما لم تتدارك نفسها وتقوم بعملية تغيير جذرية ... ألخصها بما يلي:

1)التخلي عن الأفكار القديمة التي درجت عليها؛ ولاسيما ما يخص منهج التلقي في الجانب الشرعي، والذي يتطلب الاهتمام بالعلم الشرعي، وترك الأسلوب القديم في تلقي العلم من كتب ثقافية، لا تسمن ولا تغني من جوع - كما هو حال الإخوان في كل مكان -

وبعبارة أخرى؛ أن تبدأ مسيرة فكرية جديدة، تستبدل فيها تلكم الأفكار، بمنهج قائم على الكتاب والسنة - قولًا وعملًا - بعيدا عن مسارب السياسة ومهاوي الحزبية البغيضة، وان تسعى جاهدة لتربية أعضاءها على المنهج الحق لأهل السنة والجماعة الذي يتضمن معرفة العقيدة الصحيحة القائمة على التوحيد والعمل بها والسعي الحثيث إلى الالتزام بسنن المصطفى عليه الصلاة والسلام وترك البدع التي انتشرت في الأمة وغيرت من معالم دينها.

2)التعريف بالملل والنحل المحسوبة على الإسلام والمنحرفة عن جادته؛ وعلى رأسها الرافضة وأشباههم، ولا سيما فإننا نرى الكثيرين من إخواننا في فلسطين ما زالوا يحسنون الظن بإيران وما يسمى بـ"حزب الله".

واعتقد بان الأحداث في أفغانستان والعراق؛ لم تبق لأحد عذرًا في عدم معرفة حقيقة هؤلاء، بعد إن انكشفت للقاصي والداني ألاعيبهم، وبان زيف شعاراتهم التي ضحكوا بها على السذج من الناس، يوم أن كانوا ينادون بالعداء لأمريكا، وزعمهم كذبا بأنها"الشيطان الأكبر"، وهم من اقرب المقربين إليها، وإذا بهذه الأحداث تكشف زيف هذه الادعاءات، وتبين بجلاء حقيقة التحالف البغيض بين الشيعة وأعداء الله من اليهود والصليبيين - راجع كتابي على الانترنت؛"أبعاد التحالف الرافضي الصليبي في العراق وأثاره على المنطقة"-

3)أن تعلن حماس صراحة بان طريق تحرير فلسطين لا يمر إلا من فوهة البندقية؛ وان قضية فلسطين ليست قضية الشعب الفلسطيني فحسب - كما يردد العلمانيون وأذنابهم - وان ما يجري في فلسطين لا ينفصم عن ما يجري في العراق أو أفغانستان أو الشيشان أو في أي بلد مسلم آخر.

وان إسكات أصوات البنادق في فلسطين؛ لن يخدم إلا مخططات الأعداء الرامية إلى تهدئة الأوضاع في فلسطين، كي يتسنى لها التفرغ لباقي البؤر المشتعلة من أراضي المسلمين، حيث إنهم يعلمون جيدا بأن فلسطين هي مركز الصراع، وأن تأجج الأوضاع فيها يعطي الزخم لباقي المجاهدين في العالم كي يستمروا في جهادهم، من أجل تحقيق أهدافهم لتحرير مقدسات المسلمين وإقامة دولتهم الإسلامية، كما أن أي حدث هناك كاف لاستثارة مشاعر المسلمين في كل مكان، مما يساعد على ديمومة الجهاد ودفع عجلته إلى أمام.

4)الحذر من المحاولات الخبيثة الرامية لاستدراج حماس إلى مستنقع السلطة الفلسطينية؛ وإغراقها في وحل ما يسمى بالانتخابات واستحقاقات السلام المزعوم وإشغالها عن مهمتها الحقيقة المتمثلة في جهاد أعداء الله ومناجزتهم.

وهكذا فان طريق الله واحد لا يتعدد ولا يتجزأ، ومن أراد الوصول إلى مرضاته والفوز برضوانه؛ فعليه أن يكون على ما كان عليه السلف الصالح من عقيدة سليمة ومنهاج صحيح، وتذكّر قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153] .

وأخيرا ...

إنْ لم تتدارك حماس مواقفها وتسعى إلى تغيير جذري وعميق، يتناول منهجها الفكري، ومن ثم السياسي، وتتمسك بخيار الجهاد القائم على الأصول الصحيحة للكتاب والسنة؛ فان مصيرها سيكون إلى زوال، لان سنة الله سبحانه لا تتغير ولا تتبدل، وهو القائل: {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 62] .

فان الله سبحانه لا يحابي في دينه أحدًا، ومن يتخلى عن الواجب الشرعي الذي كلف به؛ فانه سبحانه سيأتي بمن هو قادر على مسؤولية الدفاع عن دينه، وهو القائل: {إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التوبة: 39] .

كما أن سنة التغيير والتبديل ستبقى ماضية في خلقه سبحانه إلى أن يرث الأرض ومن عليها، وعليه؛ فلن نستغرب أبدًا إذا رأينا آخرين يخرجون إلى العيان ويتحلون بالصفات التي أشرنا إليها آنفا، قادرين على النوء بأعباء المسؤولية العظيمة الملقاة على عاتقهم في أرض الرباط والجهاد أرض فلسطين، يقول تعالى: {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 38] .

أما الأحزاب الاخوانية في باقي أنحاء العالم:

فلا يختلف حالها كثيرا عن بعضها البعض، فالإخوان وبعد تلك المسيرة الشاقة على مدى أكثر من سبعين عامًا؛ أناخوا برحالهم عند أبواب الطواغيت، الذين كانوا يقارعونهم طيلة هذه الفترة، ولم يبق لهم دور سوى اللهاث وراء هذه الحكومات للحصول على شيء من عرض الدنيا الزائل، طمعا بسلطة - ولو شكلية - ليشبعوا بها شهوتهم التي أعمتهم عن جملة المبادئ التي كانوا ينادون بها يوما.

فمقعد في برلمان كاف ليطفئ نهمهم ويجعلهم أداة بيد من لا يخاف الله سبحانه.

ويكفي أن نرى ماذا أنجز الإخوان في البرلمانات الكارتونية التي افنوا أعمارهم للوصول إليها! لا شيء والله سوى إضفاء الشرعية على هذه الحكومات الطاغوتية التي وجدت مرادها في الإخوان وأمثالهم، لتحكم قبضتها على بلاد المسلمين وحكمهم بغير شرع الله سبحانه.

أما إن وصلوا إلى سلطة فعلية، كما حصل في السودان من خلال خطهم الترابي، فانظر إلى ماذا آلت إليه أمور السودان من ضياع للبلاد وتمزيق لها، وتحكيم الصليبيين في مقدراتها.

وموقفهم في الجزائر لا ينسى؛ يوم أن كان الإسلاميون المتمثلون بـ"جبهة الإنقاذ"على وشك استلام السلطة فيها، مما أدى إلى انفجار الأحداث، وقيام الجيش بالانقلاب على الإسلاميين، لشعورهم بالخطر الداهم من مجيئهم إلى السلطة، فما كان من الإخوان إلا وقفوا نفس الدور في خذلان إخوانهم والنأي بأنفسهم عن الأحداث، بغية الاستئثار بشيء من السلطة التي يحلمون بها - غفر الله لنا ولهم وأرانا وإياهم الحق ورزقنا إتباعه -

وكذا الحال في تركيا؛ التي تربع على حكمها تلاميذ هذا الفكر، فما كان منهم إلا أن أوغلوا في تغريب البلاد وتعميق علاقاتهم مع"إسرائيل"، بعد أن ابرموا اتفاقيات لم يجرؤ عليها أسلافهم العلمانيون، أما لهثهم في إلقاء تركيا المسلمة في أحضان أوربا الصليبية وتسليمها لهم؛ فهو الآخر لم يعد سرًا، كل ذلك يجري باسم الحزب المنسوب إلى الإسلام، الذي ينتمي إلى حظيرة الإخوان في تركيا.

وما حال الأحزاب الاخوانية في باقي بلاد المسلمين بأفضل من نظيراتها في غيرها من البلاد.

فهؤلاء هم إخوان الأردن؛ - وبعد جهد جهيد - وصلوا البرلمان، وليتهم لم يصلوا .. فليس لهم من دور سوى التصفيق والتأييد تارة، والصياح والعويل تارة أخرى، لما يخرج من تحت سقف هذا البرلمان من قرارات، بيد أنهم غير قادريين على أن يغيروا قانونًا واحدًا يخالف تعاليم الإسلام، ولم يفلحوا إلا في شيء واحد، وهو إضفاء الشرعية على حكومتهم التي لا تحكم بشرع الله، وإنما تتحاكم إلى دستور وضعي من صنع البشر، لا يمت بأي صلة إلى الإسلام، إلا في أمور بسيطة يراد بها ذر الرماد في العيون - كما في قوانين الأحوال الشخصية - التي لم تسلم هي الأخرى من التغيير المخالف لدين الله.

أما إخوان مصر؛ فليس لهم سوى هم واحد، هو الوصول إلى السلطة، ولو كان فتاتًا منها، وهم على استعداد تام لتقديم كافة التنازلات لارضاء نهمهم السلطوي، وان كان ذلك على حساب المبادئ والثوابت وأصول الدين الحنيف.

كل ذلك يجري وللأسف على مرأى ومسمع من الأعداء، الذين أدركوا حقيقة هذا الحزب، فراحوا يلوحون له ببعض مما يسعى إليه، بمقابل أن يكون العصا التي يضربون بها باقي المسلمين، ليضعوهم إلى جانب الرافضة الذين اثبتوا من غير أدنى شك عمالتهم للأجنبي - كما حصل في أفغانستان والعراق -

وبذلك يكون للأعداء جناحان، يسيرون بها، وهم يخوضون حربهم الدامية مع المسلمين، الجناح الأول؛ يمثله الرافضة عملاء الأجنبي وخدامه، والجناح الثاني الذي يسعى الأعداء إلى استخدامه؛ هم الإخوان المسلمون، وبذلك يتمكن الأعداء من توجيه الشارع الإسلامي كما يشاءون، ويقدمون على تنفيذ مخططاتهم الدنيئة بالسيطرة على العالم الإسلامي.

وهذا بالطبع لا يستثني من عنده استعداد لتقديم التنازلات المطلوبة في مواكبة الأعداء والرضوخ لمخططاتهم - كما أسلفنا بحديثنا عن"المداخلة"- أو من يكون عنده نفس الاستعداد من الفرق والجماعات المنسوبة لأهل السنة والجماعة، على اختلاف مشاربها وأفكارها.

والذي نخشاه نتيجة التغير الكبير الحاصل في مواقف الإخوان على مر السنين، أن يتحول هذا الحزب إلى حزب علماني بثوب إسلامي، حيث انك لا تجد كبير فارق بين أفكارهم الدائرة حول الديمقراطية وكون الشعب هو مصدر السلطات، بينهم وبين علمانيي الوقت الحاضر.

واني على يقين بأن الإخوان - كفكر - آيل إلى الزوال، لان هذه هي سنة الله القائل سبحانه: {فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض} ، كما إن قواعد هذا الحزب بدأت - ومنذ فترة ليست بالقصيرة - بالانفضاض من حول قياداتها، بعد ما أدركوا خطورة الأفكار التي يدعو إليها هذا الحزب، ولا سيما في هذه المرحلة الحرجة من عمر الأمة، وهي تواجه أعداءها في كل الميادين.

واني أدعو الله تعالى أن يرجع قيادات الإخوان عن منهجهم الذي دأبوا عليه، والذي لن يوصلهم إلا إلى الهاوية، وان ينضموا إلى إخوانهم من المسلمين ممن يواجهون الهجمة الشرسة على الإسلام، بقلوبهم وصدورهم، وان يكفوا عن تلكم الأفكار البالية التي عفا عليها الزمن، وان يدركوا خطورة الوضع الذي يعيشه المسلمون.

أما أمانيهم بالوصول إلى السلطة؛ فليس إلا سرابا بقيعة يحسبه الظمآن ماء، ولن يجنوا من وراءه إلا الحسرة والندامة والخسران في الدنيا وفي الآخرة.

واني أناشد الأتباع من هذا الحزب؛ أن يحكّموا الله في أطروحات حزبهم ومنهجه المخالف للكتاب والسنة في الكثير منه، وان يعملوا عقولهم في ما يجرهم إليه قياداتهم من مخالفات شرعية، لن ينجو من حسابها هم ومن اتبعوهم، فليس لأحد عذر في عدم معرفة الحق المبين الذي جاء في كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، ولاسيما ما عرف من الدين بالضرورة، كما انه لا يعفى من عدم إدراك حقيقة ما يجري من مؤامرات تحاك ضد هذا الدين، وقد بدت واضحة لكل ذي لب.

فالحزبية المقيتة التي ربّى هذا الحزب أتباعه عليها، حتى صارت دينًا لا يخرج عليه، يجب أن تنتهي إلى الأبد، والحق ليس في أقوال الرجال، وإنما بكتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، الذي تركنا على المحجة البيضاء، نقية، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.

"الحزب الإسلامي"في العراق:

يحمل هذا الحزب القواعد العامة لفكر الإخوان، وتميز بدخوله في معادلة احتلال العراق، وتعاونه مع المحتل، وقيامه بالمشاركة في دق أسفين المحاصصة الطائفية، والاعتراف للرافضة بالأغلبية - وهو محض كذب وافتراء - أدى إلى عواقب وخيمة ما زال أهل السنّة هناك يتضورون من أذاها ويعانون من آثارها.

واليكم إخوتي بعضا مما يميز هذا الحزب:

1)الخلل الفكري:

وهذا الخلل ورثه هذا الحزب من عموم فكر الإخوان المسلمين - الذي أشرنا إلى بعض منه - مثل عدم الاهتمام بجانب العقيدة، وإقامتهم على الكثير من البدع والضلالات، واعتبار الحديث عنها مدعاة إلى الفتنة وإثارة للتفرقة والخلاف، فبضاعتهم في العلم مزجاة، وطلبهم له عزيز، وجل علمهم مستقى من كتب يسمونها بالثقافية، وهي والله لا تغني ولا تسمن من جوع.

ومن أوجه الخلل الأخرى؛ أنهم يعتقدون بأنهم خير من يصلح لقيادة مسيرة الدعوة، وان حزبهم هو"الجماعة الأم"، والآخرون لهم تبع، وظلت هذه الخرافة تداعب أفكارهم حتى صارت عندهم قناعة لا تتزعزع، ونتيجة لذلك؛ فإنهم خالفوا الجميع واعتقدوا بخطأ وجهتهم، ومن لا يدخل في حزبهم - أو على الأقل يحمل أفكارهم - فهو بمثابة الخصم لهم، ومع الوقت تأصلت فيهم هذه الحزبية المنتنة، حتى باتت السمة المميزة لهم، يوالون ويعادون عليها.

2)مصلحة الدعوة:

إن سياسة التجميع الحزبي التي يقوم عليها فكر الإخوان؛ تدعوهم إلى السكوت على الكثير من الأخطاء التي يرفضها الشرع، تحت ذريعة"مصلحة الدعوة"، و"مصلحة الدعوة"هذه كانت سببًا إلى انزلاق هذا الحزب وأمثاله في مهاوٍ عظيمة، أدت إلى الإضرار بمصلحة المسلمين.

ولعل سياسات الإخوان في كثير من الدول هي أوضح شاهد على ما نقوله، فـ"المداخلة"يدندنون حول؛"مصلحة ولي الأمر"، والإخوان حول؛"مصلحة الدعوة"، والرافضة حول؛"مصلحة المرجعية والمذهب"، أما أهل الحق فيدندنون حول؛"قال الله، وقال رسوله".

3)الوصول إلى السلطة واستغلال الفرص:

للأسف صارت عامة أحزاب الإخوان في كل الدول ليس لها سوى همّ الوصول إلى السلطة، وبغض النظر عن الوسيلة التي يتبعونها، حيث أن الغاية أضحت عندهم تبرر الوسيلة، ولعل أحداث العراق خير شاهد على تعطش هذا الحزب للوصول إلى السلطة، وان أدى ذلك إلى ضياع البلاد وتسليمها لاعداءها.

ولقد أدرك الأعداء حقيقة هذا الأمر، فدأبوا على تقريب الإخوان، وذلك بالتلويح لهم ببعض الكراسي هنا وهناك، بغية استخدامهم في ضرب باقي التيارات الإسلامية في بلدانهم، وفي النهاية لن يحصدوا سوى السراب والحسرة والندامة.

4)الانهزامية والاستسلام:

وجه الشبه بين"المداخلة"وبين"الحزب الإسلامي"؛ هو منهج الهزيمة والاستسلام، الذي درجوا عليه واستعدادهم التام لتنفيذ مخططات الأعداء، بغية الظفر بعيش مرفه وحياة هانئة في ظل هؤلاء الأعداء، وتحت ذات المبررات التي يرددها إخوانهم"المداخلة"من ضعف المسلمين وعدم القدرة على مواجهة أعداءهم ... إلى غير ذلك من الأعذار الواهية.

ولقد أدت مواقف هذا الحزب المشينة إلى التآمر مع المحتل الأجنبي لإيقاف عجلة الجهاد ومقاومة الأعداء، ولعل تصريحاتهم المتتالية في تشويه صورة المقاومة؛ توضح هذا الأمر بجلاء.

وكذلك موقفهم الشائن في معركة الفلوجة الأولى، وتآمرهم لإيقافها بعد أن كان المجاهدون قاب قوسين أو أدنى من النصر المحتم، ودور حاجم الحسني - وهو أحد قيادي هذا الحزب البارزين - معروف للجميع، فهو من كان عرّاب المفاوضات التي جرت بين المجاهدين وبين المحتل الغازي، وهو ومن معه من أطراف أخرى من أحرجوا المجاهدين وتحت شتى الذرائع، لقبول الحل المقترح، الذي ترتب عليه آثار وخيمة، ما زال المجاهدون يعانون منها.

وعلى اثر ذلك فان"الحزب الإسلامي"- وبعد انكشاف دور هذا الخائن - لم يجد مناصًا إلا الإعلان عن إخراجه من الحزب في لعبة مكشوفة لا تنطلي على أحد.

ونتيجة لمواقف هذا الحزب المخزية، ووقوفه عمليا إلى جانب المحتل، وعمله على تنفيذ مخططاته بالتعاون مع الرافضة وأعوانهم، بدأ الكثير من أتباعه ينفضون من حوله - والحمد لله - وصارت سمعة هذا الحزب في الحضيض، ولم يبق معه إلا المنتفعين منهم، إضافة إلى من ما زال يأمل فيه خيرا ولم يستطع أن يخرج من العقدة الحزبية التي تحيط به.

فلجأ هذا الحزب إلى اسلوب جديد، يحاول من خلاله التظاهر بدعمه للمقاومة، وهو في ذات الوقت يدبر لها المكائد - هو ومن معه من الرافضة المجرمين -

وهذا لا يعني بان كل من ينتمي لهذا الحزب يحمل نفْس النفَس، فهناك من القواعد - على وجه الخصوص - قد لا يدركون حقائق هذه الأمور، كما أن ولاءهم لهذا الحزب أعماهم عن رؤيتها بوضوح، ومع ذلك فان أي مبررات في ظل الظرف العصيب الذي يعيشه المسلمون في العراق؛ باتت لا تقبل، وسياسة إغماض العيون عن ما يجري؛ مرفوضة، وعلى الأخيار ممن ينتمي لهذا الحزب؛ أن يعلنوا براءتهم منه والانضمام إلى صفوف إخوانهم ممن يقدم نفسه فداء لهذا الدين، كما أن عليهم؛ ترك الأفكار البالية التي اعتادوا عليها، فالوقت اختلف والعلم الشرعي أضحى قريبًا من الجميع، وليس لأحد عذر بالجهل في ما عُلم من الدين بالضرورة، ولاسيما معرفة التوحيد، والعمل به، والدعوة إليه وما يندرج تحته من ولاء وبراء، إضافة إلى الاهتمام بسنن المصطفى عليه الصلاة والسلام، وترك البدع المنتشرة في صفوف الكثيرين منهم.

5)عداؤهم للفكر السلفي:

وهذا شيء يدعو إلى الحزن حقًا أن لا ترى إلا القليل من الإخوان عموما، وهذا الحزب خصوصا؛ من يكنّ بالمحبة لمن يحمل الفكر السلفي.

فالإخوان - ونتيجة للفكر الذي تربوا عليه - يجدون صعوبة بالغة في التعامل مع غيرهم، ولا سيما السلفيين منهم، وتحت ذرائع سخيفة، متهمين إياهم بالخشونة والحدة في اسلوب الدعوة، مع أن القاعدة في هذا الباب هو؛ أن الحق لا يعرف بالرجال، وإنما الرجال هم الذين يعرفون بالحق، والحق أن تدور حيث دار الحق، فان كان هناك من يسيئون في دعوتهم كما يدّعون، فلماذا تركوا الحق وأعرضوا عنه، ولم يسعوا ليكونوا خير من يدعو إليه، فما هي كما نرى إلا حزبية مزمنة يعانون منها، أدت بهم إلى الابتعاد عن منهج الحق وأهل الحق.

6)التقارب مع الشيعة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت