عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه
ولقد قيل لسفيان بن عيينة: (إن هذا يتكلم في القدر) - يعني إبراهيم بن يحيى - فقال سفيان: (عرّفوا الناس أمره، وسلوا الله لي العافية) .
فما بالهم - هؤلاء الذين تسمّوا بالسلفية، والسلفية منهم براء - يسمون الرافضة؛ إخوانهم؟! ويستسيغون التعامل مع المحتل الأجنبي الذي سفك الدماء وهتك الأعراض؟! متآلبين على إخوانهم من أهل السنة والجماعة.
وليت شعري؛ أين هم من كبار السلف الصالح، من أمثال الأمام أحمد، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وعبد الله بن المبارك، والإمام محمد بن عبد الوهاب ... وغيرهم ممن أفنوا حياتهم في الدفاع عن هذه الأمة والوقوف بوجه أعدائها؟
ولكن هيهات ثم هيهات، فأين الثرى وأين الثريا؟ فهم - والله - ليسوا إلا حفنة من الخونة والجهال والمنتفعين، جمعهم الجهل بدين الله، وأهواء أعمت بصائرهم، وعرض من الدنيا زائل، أغراهم أعداء الله به، فلا يرون الحق حقًا ولا الباطل باطلًا.
ولقد أدى هذا الدور المشين - الذي تقوم به هذه الفئة الضالة - إلى احتضان أعداء الله لهم، وإبرازهم في وسائل الإعلام، ليستخدموهم في نشر الأباطيل والشبه والأراجيف بين الناس، بغية تضليلهم وتلبيس الحقائق عليهم.
شبهات واهية:
1)شبهة القلة والكثرة:
تدّعي هذه الفئة الضالة؛ بأن المسلمين اليوم من الضعف والهوان والقلة، مما يجعلهم غير قادرين على مواجهة أعداءهم.
وهذه شبهة واهية، تردها نصوص كثيرة من الكتاب والسنّة، لا يسع المقام لذكرها، ولكني اختار لهم آيتين من كتاب الله تلقم أفواههم.
-يقول تعالى: {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249] .
-وقَال تعالى: {واذكروُا إذ انتم قليلٌ مستضعفونَ في الأرضِ تخافون أنْ يتخطّفَكُم الناسُ فآواكم وأيّدَكُمْ بنصْرهِ ورزقًكُم مِنَ الطيّباتِ لعلّكمْ تشْكروُن} [الأنفال: 26] .
فأين هم من حروب المسلمين مع أعداءهم على مر هذا الزمان؟ فهل كانوا في كل وقعة يدخلونها كثرة أم قلة؟ ... ألم يقرؤوا تاريخ المسلمين والمعارك والغزوات التي خاضوها؟ هل كانوا يضعون حسابًا لعدد أو عدة لمواجهة أعداءهم؟ أم أن توحيدهم وإيمانهم بنصر الله وطاعتهم له ولرسوله عليه الصلاة والسلام كانت سبب انتصارهم وتمكينهم في الأرض؟
2)مسألة الأخذ بالأسباب:
فهم يرددون؛ بأن أسباب النصر على الأعداء غير متوفرة الآن.
وهي فرية أخرى، إن آمنا بها فلن تقوم للمسلمين قائمة يومًا ما.
فأما قولهم؛ بأن علينا الأخذ بالأسباب؛ فهذا أمر مشروع وواجب، ولا يختلف عليه أحد.
وأما قولهم؛ بأن المسلمين لا تتوفر عندهم هذه الأسباب الآن؛ فهذا أمر مردود ترده نصوص الكتاب والسنّة الداعية إلى جهاد أعداء الله، بعد الأخذ بالأسباب المتاحة المتعلقة بالقدرة والاستطاعة، ألم يقل رب العزة والجلال: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 60] ، فالأمر إذا متعلق بالاستطاعة - أي غاية ما يستطيعه الإنسان من إعداد إيماني وبدني - وبعد ذلك ليس سوى التوكل على الله تعالى، أخذا بقوله سبحانه: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159] .
يقول ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {واعدُّوا لهم ما استطعتمْ منْ قوّة ٍومنْ رباطِ الخيلِ ... الآية} : (ثم أمر تعالى؛ بإعداد آلات الحرب لمقاتلتهم حسب الطاقة والإمكان والاستطاعة، فقال: {واعدُّوا لهمْ ما استَطعتمْ} ، أي مهما أمكنكم) .
ولو أخذ المسلمون بـ"المبدأ المدخلي"في جهاد أعداء الله، لما قام جهاد على وجه الأرض، ولما خاض المسلمون أية معركة، لأنهم في كل مرة أقل عددًا وعدة من أعداءهم.
إن خلط الأوراق بين الأخذ بالأسباب المشروعة في الإعداد، وبين الارتماء في أحضان الأعداء؛ بات لا ينطلي على الواعين من أفراد هذه الأمة.
ولو سلمنا بالقول القائل؛ بأنه ليست لنا القدرة على مواجهة أعداءنا، فهل هذا يعطي الحق لكائن من كان بان يكون عونا للأعداء على المسلمين؟
3)أصول تلاعبوا بها:
استغل أدعياء العلم هؤلاء؛ جهل البعض ببعض القواعد والأصول الشرعية، وراحوا يرددون كلاما ظاهره صحيح، ولكنه في حقيقته ليس سوى سمّا زعافا، يراد به قتل عقيدة المسلمين، والذهاب بدينهم، مثل استخدامهم الخاطئ للقاعدة الأصولية القائلة؛"درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، حيث أنهم أساؤوا عن جهل - أو عمد - استخدام هذه القاعدة، ووضعوها في غير موضعها.
وراحوا يعطلون الكثير من الأحكام تحت ذريعة المفسدة، ومنها الجهاد في سبيل الله والدفاع عن الدين، وتحت حجج واهية، أوهى من بيت العنكبوت.
فإنهم يعتبرون مناجزة المسلمين لاعداءهم؛ ليس سوى مفسدة، بسبب عدم قدرة المسلمين، وان درء المفسدة المترتبة على هذا الأمر - كما يزعمون - مقدم على أية مصلحة أخرى، أو أن تدرأ المفسدة الكبرى بأخرى أصغر منها، أي أن احتلال بلاد المسلمين من قبل أعداءهم - في ظنهم - هو أهون وأقل ضررًا من مواجهتم - هذا إن اعتقدوا بأن احتلال بلاد المسلمين هو مفسدة أصلا! -
إن الأصول التي يحاولون الاستشهاد بها، هي أصول شرعية، لا غبار عليها إن استخدمت استخدامًا صحيحًا يجيزه الشرع الحنيف، ولكن أن تجعل وسيلة، غايتها تضليل الناس وخداعهم، فحينئذ تكون؛ كلمات حق يراد بها باطل.
فأي مفسدة أعظم من ذهاب الدين؟! وأي فتنة اشد من مجيء الكفار إلى بلاد المسلمين ومعهم أتباعهم من الرافضة والمنافقين ليعيثوا فيها فسادًا وخرابًا وليبدلوا ملة إبراهيم القائمة على التوحيد بملة الكفر والشرك وعبادة الأصنام والقبور؟! وأي مهلكة تنتظر المسلمين حينما يحتلهم من يسعى إلى نشر عقيدة التثليث بينهم، وإباحة الرذيلة والفساد فيهم؟! فالكفر عقيدتهم، والزنا واللواط شعارهم، والخمر والمخدرات سبيلهم.
ولكم أن تتخيلوا ما يمكن أن تجلبه هذه الآفات من تفسخ خلقي وتدمير اجتماعي وضياع للأسر وذهاب للمجتمعات المسلمة، فلا خير في حياة لا دين فيها، سوى دين اليهود والنصارى والرافضة وأمثالهم، ولا خير في دنيا يتخلى فيها المرء عن دينه، الذي هو أعظم ما يملك في هذا الوجود، ويرضى بالعيش في كنف من أعلنها حربا على الإسلام، نزولا عند رغبات وفتاوى من لا يهمه سوى نفسه وإرضاء ولي أمره.
وهكذا ففي كل مرة؛ يطلع علينا واحد من هؤلاء"المداخلة"بوجهه الكالح، ليردد عبارات مغلفة بالسم، داعيًا إلى مهادنة الأعداء - بحجة أو بأخرى - ناسيًا أو متناسيًا الآيات والأحاديث التي وردت في هذا الباب، والتي تحث المسلمين على محاربة أعداءهم، ولا سيما وهم يحتلون بلاد المسلمين، وتحت راية صليبية أعلنوا عنها من غبر مواربة.
فالجهاد - كما هو معلوم - جهاد دفع وجهاد طلب، فان كان جهاد الطلب من فروض الكفاية، فلم يختلف أحد من أهل العلم على أن جهاد الدفع من فروض الأعيان، ولا يحتاج إلى إذن احد، حيث أنهم يدندنون حول شبهة موافقة ولي الأمر، وهذه الموافقة غير مشترطة في جهاد الدفع، حين يحتل الأعداء بلاد المسلمين، هذا إذا كان هناك ولي للأمر يوثق به ويرجع إليه!
يقول شيخ الإسلام بن تيمية: (وأما قتال الدفع؛ فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين، فواجب إجماعا، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا؛ لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط، بل يدفع بحسب الإمكان، وقد نص على ذلك العلماء وأصحابنا وغيرهم) [الفتاوى: 4/ 520] .
دعوة إلى مخلصي الأمة:
إني أدعو كافة المخلصين من خيار هذه الأمة؛ إلى توخي الحذر من هذه الفرقة الضالة، التي ركبت موجة السلفية، وراحت تطعن في ظهرها، المستخدمة من قبل أعداء الإسلام لإثارة الشبهات حول ثوابت الأمة وأصولها، والتي تحاول أن تسخر بعض ما تعلمته من علم شرعي؛ لنشر الفتنة بين صفوف المسلمين، والتلبيس عليهم، على غرار ما كان يقوم به المستشرقون من دور خبيث لتشويه تاريخ المسلمين، بعد أن درسوا الإسلام وأخذوا منه ما يفيدهم في مهمتهم الهادفة إلى طمس معالمه وتحريف تاريخه.
وتبقى خطورة هؤلاء قائمة بسبب انتهاجهم للمنهج السلفي - زورًا وبهتانًا - ولدعم الحكومات لهم، وتوفر الأجواء المناسبة لنشر أباطيلهم.
ولذا كان لزامًا على المسلمين التحلي بالعلم الشرعي، لمعرفة دينهم، وللوقوف أمام هؤلاء المنحرفين الضالين وأشباههم، بغية الرد على شبهاتهم وأكاذيبهم.
وهي مع تفاهتها وضعف حجتها، إلا إنها قد تنطلي على بعض الجهال من قليلي العلم، فيؤدي ذلك إلى افتتانهم، وربما السير في ركابهم، حيث أننا لاحظنا بان بعض من انتهج المنهج السلفي قد اغتر فعلًا بدعوى هؤلاء الضالين - من حيث لا يدري - معتقدًا بأن ما يدّعونه من إتباع لمنهج السلف هو حقيقة وليس كذبًا، بعد أن خدعوا بكلامهم المعسول، ومظهرهم الكاذب الخدّاع.
وإننا وان كنا نعلم علم اليقين بأن حجم هؤلاء قليل، وأثرهم لا يكاد يذكر، ولكن المبتدعة في كل زمان ومكان - وان كانوا قلة - فإن التحذير منهم واجب، وكشف حقيقتهم للملأ أمر لابد منه، ولاسيما بأن أعداء الإسلام بدأوا يستخدمونهم لتنفيذ مآربهم الدنيئة الهادفة للقضاء على الإسلام - خابوا وخسروا -
ومن باب الإنصاف؛ لابد من القول بأن بعض الأفراد ممن يحسبون على هذا الفكر، ليسوا مطلعين تمامًا على ما يدعوا إليه رؤوس هذه الفرقة الضالة، وما وقع مثل هؤلاء البسطاء في براثن هذه الفكر المنحرف الضال سوى حبّهم للمنهج السلفي والعمل بسنّة النبي صلى الله عليه وسلم، وإنّا قد أشرنا آنفا بان النية لوحدها لا تكفي.
وهذا سفيان الثوري رحمه الله - أمير المؤمنين في الحديث ومن كبار زهاد الأمة - يقول: (لا يقبل قول إلا بعمل، ولا يستقيم قول وعمل إلا بنية، ولا يستقيم قول وعمل ونية إلا بموافقة السنّة) .
ويجب على كل من اغتر بهذا الفكر الهدام؛ معرفة الحق واتباعه، وان يدور حيث دار الحق، ولا يلهث وراء كل ناعق وان ادعى وزعم، ومن أشكل عليه معرفة الحق نتيجة تزاحم الشبهات وكثرتها؛ فعليه بالرجوع إلى الصادقين من علماء الأمة وطلبة العلم لديهم، كي يرشدوهم إلى الطريق الصحيح، ولا يجعلون المظاهر لوحدها حكَما لمعرفة الآخرين، فاللحية والثوب القصير من سنن المصطفى عليه الصلاة والسلام، ومن الواجب العمل بهنّ، ولكن هذا السنن لا تكفي لكي تجعل الإنسان أي إنسان مزكى وأهلا للإتباع.
فهناك الأصل العظيم - الذي اشرنا إليه - وهي العقيدة الصحيحة، المبنية على التوحيد الخالص، والتي تنبثق منها عقيدة الولاء والبراء، فما فائدة أن يتّسم الإنسان بمظهر سنّي وهو موال لأعداء الله من اليهود والنصارى والرافضة وغيرهم؟! وما جدوى ادعاءه بإتباع منهج السلف الصالح وهو مستغرق بنشر الفتن وإثارة الشبهات حول جهاد أعداء الله ودعوته إلى الاستسلام لهؤلاء الأعداء تحت ذريعة أو أخرى، ومن ثم الرضا بشريعة غير شريعة الإسلام بزعم الضعف وعدم القدرة - كذبا وزورا -؟!
وهو بفعله هذا؛ يجافي ما كان عليه السلف الصالح رضوان الله عليهم، ويخالف ابسط قواعد السنّة التي يزعم إتباعها، والتي تدعو إلى مجاهدة الأعداء ومنابذة الكافرين، والسعي إلى إقامة دولة الإسلام، ورفع رايته خفاقة في أرجاء المعمورة، بعيدًا عن حسابات الكثرة والقلة، والربح والخسارة، التي لم تكن يوما ذات أهمية عند المسلمين، ولو كانت كما يزعم دعاة هذا الفكر الضال؛ لما قامت للإسلام قائمة.
وأخيرًا ...
فإن الفكر المدخلي أصبح من الخطورة بمكان، مما يستوجب على كل مخلص من مخلصي هذه الأمة أن يتحمل مسؤولية فضحه وبيان زيفه وكشف من يدعو إليه، كي يجنب الناس شره والوقوع في حبائله، ولا سيما الشباب المحب للسنّة وإتباع منهج السلف رضوان الله عليهم.
[1] للمزيد حول هذه الشخصية؛ يمكن مراجعة كتاب"شهادة قادة المجاهدين والإصلاح على علماء السلطان في بلاد الحرمين"للشيخ أبي مصعب السوري، وكتاب"ابن باز مفتي مملكة آل سعود" [المنبر] .
[2] ولقد سميتهم دخلاء، لأنهم دخلاء فعلا على المنهج السلفي الذي كان عليه السلف الصالح رضوان الله عليهم.