فهرس الكتاب
الساسة العاميون! لماذا يخطبون ويرتجلون؟ مع صلتى الحميمة بالأدب العربى فقد بت أخشى على لسانى ولغتى من شيوع الأخطاء واضطراب الأساليب، إنني أحترم لغة الوحى وأغار عليها، وأشعر بالخجل الشديد عندما أخطىء في إعراب أو أسيىء اختيار لفظ.. وليس هذا خلقا أنفرد به، إنه خلق أولى الألباب الذين يحترمون أنفسهم وتراثهم ودينهم، وقد روى أن رجلا قال لعبد الملك بن مروان: شبت يا أمير المؤمنين! فقال: شيبنى صعود المنابر وتوقع اللحن!!. إن الخليفة الكبير يحذر عثرات اللسان وسوء الأداء، ويرى ذلك خللا في مروءته وخدشا لمكانته!. ويظهر أن ذلك يوم كانت المناصب الكبرى إمامة مرموقة وقيادة هادية! أما بعد أن أمست مغانم يستولى عليها الشطار، ويحرزها المغموصون في علمهم وكفايتهم فقد أصبح الخطأ قانونا والصواب شذوذا.. ومن بضع سنين أرسل طلاب إحدى الجامعات الأمريكية كتابا شديدة اللهجة إلى قائد حلف شمال الأطلسى يستنكرون أداءه المعتل للغة الإنجليزية، ويطلبون منه إما السكوت أو صحة النطق- وكان القائد من كبار العسكريين الأمريكيين- وقد أعجبنى تصرف الطلاب، ولم أعتذر عن الرجل بأنه ليس متخصصا في اللغة. إننا لا نكلفه بأن يكون أديبا ماهرا، ولكننا نكلفه ونكلف غيره من أصحاب المناصب الكبرى أن يحسنوا التعبير عما يريدون، وأن يتجاوزوا مرحلة الطفولة البيانية، وإلا فليلتزموا بهذا الحديث الشريف"الصمت خير وقليل فاعله".. وكان الساسة القدامى يحضرون خطبهم تحضيرا متقنا حتى جاء الرئيس عبد الناصر، فاعتقل سيبويه وحزبه، وأعلن على الفصحى حربا شعواء، وهو أول من كسر ص _216