الصفحة 79 من 1131

متى نبرأ من هذه العلل من أمارات العظمة أن تخالف امرءا في تفكيره، أو تعارضه في أحكامه، ومع ذلك تطوى فؤادك على محبته وتأبى كل الإباء أن تجرحه. أحسست ذلك وأنا أقرأ رسالة لأبى حامد الغزالى وجهها إلى السلطان"سنجر"ملك المسلمين في عصره على العراق وإيران وأفغانستان، وكان الغزالى قد اتهم بأنه نال من الإمام أبى حنيفة، وللإمام الكبير مكانته في هذه الأرجاء، بل له مكانته السامقة في الفقه الإسلامى كله. قال أبو حامد للملك".. وأما ما قيل من طعنى في الإمام أبى حنيفة- رحمة الله عليه- فلا أتحمله بالله الطالب الغالب المدرك المهلك الحى الذى لا إله إلا هو بأن اعتقادى في أبى حنيفة- رحمة الله عليه- بأنه كان أكثر غوصا من أمة المصطفى (صلى الله عليه وسلم) - في حقائق المعانى والفقه- فكل من حكى شيئا غير هذا من عقيدتى أو خطتى أو لفظى فهو كاذب".. وختم رسالته برجاء إلى الملك أن يدعه يعبد الله في زاويته وأن يعفيه من التدريس لعلماء عصره.. والذى استوقفنى في كلام الغزالى حرارة القسم الذى تبرأ به من ذم أبى حنيفة، وثناؤه الجم على أحد الأئمة الأربعة المتبوعين! وذلك مع أن الغزالى (1) شافعى المذهب في فقه الفروع، وهو في علم أصول الفقه يخالف الأحناف في بعض طرائق الاستنباط! بيد أن ذلك الخلاف العلمى القائم لم يتجاوز دائرة النظر وحرية البحث. ولكل وجهة هو موليها. وليس يغض هذا من تقدير الرجال والاعتراف لهم بالفضل. الواقع أن الخلاف العلمى لا يثير الحفائظ إلا لدى الرعاع! ولعله يكون متنفسا لمآرب وأهواء عند من لا يتقون الله. أما العلماء الكبار فلهم شأن آخر. ألا ترى مالكا (رضي الله عنه) ص _084

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت