تأمل أخي المسلم الصوم مع هؤلاء وتأمله مع نفوس عرفته وقلوب أدركته، تجد الفرق شاسعًا والبون واسعًا، وتدرك حقيقة الصوم إلا من الممسك عن الشهوة وقول الزور، وصدق الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم -:[الصيام جنة؛ فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم مرتين، والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها) (1) .
إن الحياة لابد فيها من عزيمة صادقة تصدع غوائل الهوى، وتردع هواجس الشر، وتبطش بالهوى الكذوب، وتنطلق بالإنسان إلى حيث العلو والسمو، وأي عزيمة أصدق، بل أي نظام أحكم من أن ترى المؤمن يمسك زمام نفسه من أن تذل لشهوة، أو تنجرف في تيار الهوى الضال، أو تنحرف عن أمانة الكلمة وصدق اللسان وصفاء الجنان، وأي نفس أكرم من النفس المتجهة إلى خالقها، الممسكة عن هواها تقربًا إلى الله، إذًا ما أروع التسليم في الصوم حين يجوع الصائم ويظمأ، وأسباب الغذاء والري أمامه ميسرة لولا طاعة الله وخشيته والرغبة في الثواب، والرهبة من العقاب، وشتان شتان ما بين صوم تمليه العادة، وصوم تسري فيه روح العبادة، وشتان شتان ما بين صوم يتعدى فيه الصائم حدوده وصوم يلتزم فيه حدوده ذاك سببه مداراة الناس، وهذا دافعه مراقبة رب الناس، ذاك لا يهذب نفسًا، ولايعصم لسانًا، ولا يربي خلقًا.
هذا ينتج الفضائل كلها ويرفع النفس إلى عليين.
ذاك صوم يطلق فيه العنان للسان ينهش أعراض الناس، ويفسد فيما بينهم ويأكل لحومهم.
(1) رواه البخاري (ج3 ص22) ، ومسلم (ج3 ص157) .