المبحث الثاني:
استدراكات الزجاج ومناقشاته العلمية
تميز أبو إسحاق الزجاج بشخصيته المستقلة فكما أنه استفاد ممن سبقه في القراءات والتفسير واللغة وفي جوانب مختلفة ، إلاَّ أنه أيضًا له استقلاليته فهو يناقش ويختار ويستدرك ويغلط ، وسأفصل في استدراكاته ومناقشاته العلمية من خلال النقاط التالية:
أولًا: استدراكاته ومناقشاته للمفسرين:
يحتل المفسرون مكانة كبيرة عند أبي إسحاق الزجاج ، فقد اعتنى بأقوالهم ، ولذا فهو مكثر من الرواية عنهم ، وهو يثق بهم ثقة كبيرة ، وكان محترمًا لهم ، ومقدمًا لآرائهم .
وقد اعتمد في نقل أقوال المفسرين على كتاب التفسير المفقود للإمام أحمد بن حنبل (ت241هـ) والذي رواه الزجاج عن عبد اللَّه بن الإمام أحمد (ت290هـ) [1] .
ويعبر أبو إسحاق الزجاج في نقله عن المفسرين أو بعضهم بقوله:"جاء في التفسير" [2] ، وأحيانًا يعبر عن قول لبعض المفسرين بقوله:"قيل في التفسير" [3] .
لكن مع ذلك ناقش بعض آراء المفسرين واستدرك عليهم وتعقبهم، لكن هذا التعقب والاستدراك لا يعني البتة أنه لا يثق بهم ، ومن الأدلة على هذا أنه أحيانًا يختار قولًا في التفسير بشرط أن يكون قد قاله المفسرون ، ومن ذلك ما ذكره عند قوله تعالى: { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ } [4] ، في بيان معنى"سجيل"قال:"وقيل من سجيل كقولك مما سجل أي: مما كتب لهم [5] ،"
(1) ... انظر: معاني القرآن وإعرابه 4/8 ، 166 ، 5/210 ، وانظر أيضًا: ص 60 من الرسالة.
(2) ... انظر مثلًا: المصدر نفسه 2/291 ، 3/183 ، 4/156 وغير ذلك كثير جدًا.
(3) ... انظر مثلًا: المصدر نفسه 2/264 ، 3/70 وغير ذلك كثير.
(4) ... سورة هود: 82 .
(5) ... هذا القول نسبه الطبري لبعض أهل اللغة من البصريين ، والذي عليه المفسرون كابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وغيرهم أنها حجارة من طين . تفسير الطبري 12/94 ، المحرر الوجيز
3/198 ، الدر المنثور 4/466 .