وما نلاحظه بناء على كل ما سبق أن الفعل السياسي في الساحة العراقية في طريقه إلى التبلور غير آبه بأية عواقب أو مجازفات قد تكون خطرة جدا، فإذا كانت المشكلات الواقعة مع تنظيم القاعدة هي مشكلات ميدانية وسلوكية تتعلق في مخاطر تهدد المشروع الجهادي فعلى القاعدة تقع مسؤولية كبرى في إزالة الغموض والقيام بمصالحة عامة وشاملة مع كل التيارات الجهادية بقطع النظر إن كانت مدانة أو بريئة ولكن من باب سد الذرائع وقطع الطريق على مصادر الفتنة، وهذا أولى أن ينطبق على الجيش الإسلامي ولا يشترط شروطا أحسب أن أحدا لن يوافقه عليها كالطلب من قادة القاعدة بالتدخل لأنه يعرف أن الرجل تغيب عن أحداث عظيمة سابقة ولولا أن ظروفا قاهرة تمنعه من الظهور لكان فعل، فالمسائل الأمنية بالذات عزيزة على القاعدة لأن رأسها مطلوب للجميع، ثم ماذا لو كان الرجل قد أفضى إلى ربه فهل تعلق مثل هذه المسائل الحساسة والعاجلة على مشجب الغيب والتخمين؟ وهل كلما حصل خلاف بين جماعة وأخرى توجه البعض إلى بن لادن كي يحسم المسألة؟ أهكذا يدار الجهاد وكأن قادته قاصرون؟ أو كما لو أنه بلا قيادة شرعية أو ميدانية أو سياسية؟
آخر ما يمكننا قوله أنه إذا صلحت النوايا ولم يكن ثمة مراهنات سياسية فمن الممكن رأب الصدع وإعادة اللحمة والسكينة إلى الجميع كي يتفرغوا لمقاتلة أعدائهم والاستعداد للمراحل القادمة بشرط أن يتفق الجميع على ما يشبه العهد بينهم تدعمه لجان لفض النزاعات والخلافان على الفور. أما إذا كان هناك ثمة مراهنات سياسية فأحسب أن هذه المقالة لن يكون لها أية قيمة فيما أوردته من تحليلات. وما يمكن قوله في هذه الحالة أن الجيش الإسلامي ومن هم في خطه سيكونون أكثر الخاسرين، إذ أن معاداة القاعدة وتمسك الجيش بمنهجه، وسط عملية سياسية مشبوهة، لن يكون له أي معنى أو فائدة تذكر، وسيحول بينه وبين أية مكاسب سياسية مستقبلا لأن إقامة دولة إسلامية غير مسموح به على الإطلاق فضلا عن أن القوى الأخرى لن تقبل به إلا إن غير منهجه، وإن ثبت هذا الأمر في الأيام والأسابيع القادمة فسيعني، على الأرجح، بداية قوية جدا لدخول الساحة الجهادية في حالة استقطاب محموم بحيث تنضم بعض الجماعات القريبة من القاعدة إلى البغدادي فيما تنضم الأخرى إلى جناح قد يعلِن عن نفسه بين الفينة والأخرى كممثل سياسي للمقاومة، وسيكون مجلس الإفتاء الجديد جاهزا لتشريع هذا السلوك وتحريم ذاك. إذا ما أثبتت الأحداث هذه الافتراضات فستكون"راند"قد حققت اختراقا جديدا، وسيكون العراق مقدما، لا محالة، على حرب أهلية ليس من المستبعد أن تضرب المشروع الجهادي في الصميم.