امْرِئٍ مَا نَوَى»، و من التجنّي و مجاوزة الحق؛ أن نحكم بالانتحار على من يريد الشهادة و يبذل نفسه في سبيل الله، تحكّمًا في نيّته، و حكمًا على ما في قلبه بغير علم، مع علمنا أنّه لو أراد الانتحار لسلك إليه طرقًا أخرى و ما أكثرها و أيسرها.
قال الحافظ ابن حَجَر في الفتح [8/ 185 و ما بعدها] : أما مسألة حمل الواحد على العدد الكثير من العدو، فصرح الجمهور بأنه إن كان لفرط شجاعته، و ظنه أنه يرهب العدو بذلك، أو يجرئ المسلمين عليهم، أو نحو ذلك من المقاصد الصحيحة فهو حسن، ومتى كان مجرد تهوّر فممنوع، ولا سيما إن ترتّب على ذلك وهن في المسلمين، واللّه أعلم.
و إذا كانت النفس البشريّة مُلكٌ لبارئها و خالقها، و أنّ العبد مؤتَمَنٌ عَليها، ليس له أن يتعدّى عليها فيؤذيها أو يزهقها بغير حقّ، فإن أداء الأمانة في أسمى صُوَرها، يكون بِبَذلِها لصاحبها و مالكها، فمن جاد بنفسه طواعيةً في سبيل الله فقد أدّى ما عليه و أمره إلى الله.
ثالثًا: لم يَرَ مُعظم أهل العلم المتقدمين بأسًا في الاقتحام و لو أدى إلى مهلكة، و قرروا ذلك بما روي من أخبار و ما صح من أثار، و فيما يلي أقوال طائفةٍ منهم مقرونة بطائفة من الأدلّة الشرعيّة:
انتصر لذلك الإمام الشافعي رحمه الله حيث قال (لا أرى ضيقًا على الرجل أن يحمل على الجماعة حاسرًا، أو يبادر الرجل و إن كان الأغلب أنه مقتول)
و في كلام الشافعي إشارة إلى ما رواه مسلم في صحيحه و أحمد في مسنده عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أُفْرِدَ يَوْمَ أُحُدٍ في سَبْعَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ فَلَمَّا رَهِقُوهُ قَالَ: «مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّةُ أَوْ هُوَ رفيقي في الْجَنَّةِ» . فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ ثُمَّ رَهِقُوهُ أَيْضًا فَقَالَ: «مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّةُ أَوْ هُوَ رفيقي في الْجَنَّةِ» . فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى قُتِلَ السَّبْعَةُ فطوبى لهم مرافقة نبيّهم في الجنّة.