الصفحة 35 من 43

يستسلم لهم، ويرجع تقدير ذلك له، فإن علم من نفسه صلابة لا تلين تحت التعذيب فلا يفشي سرا، استسلم وسلم نفسه، وإن غلب على ظنه أو تيقن أنه لا يتحمل ذلك، قتل نفسه ولا أرى قواعد الشرع تأبى عليه ذلك.

وقد نص الفقهاء على أن من تعين موته بسببين واستويا في السوء، فله أن يتخير بينهما، كمن احترقت سفينته ولا يحسن السباحة أو كانت الأسماء المفترسة تحته، فلو اختار موته غرقا أو احتراقا جاز، وإن غلب على ظنه أن أحد السببين أهون من الآخر، فيتبع الأهون وبه قال جمهور الفقهاء. قال ابن السبكي:"لو وقع في نار محرقة ولم يخلص إلا بماء يغرقه، ورآه أهون عليه من الصبر على لفحات النار، فله الانتقال إليه في الأصح."

أما الجزء الأخير من السؤال وهو احتمال شمول قوله -تعالى:"ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، لهذا الشاب فيقع تحت نهي الله -عز وجل. فإن هذا بعيد عن مفهوم الآية، خاصة إذا راعينا القيود التي ذكرناها لجواز تفجير المسلم نفسه. وقد ذهب أكثر المفسرين إلى أن معنى الآية ما رواه الترمذي عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران قال:"كنا بمدينة الروم القسطنطينية، فأخرجوا إلينا صفا عظيما من الروم فخرج إليهم من المسلمين مثلهم وأكثر، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس، وقالوا: سبحان الله، يلقي بيديه إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: يا أيها الناس، انكم تتأولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه. قال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله -صلى الله عليه وسلم: أن أموالنا قد ضاعت وأن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله على نبيه -صلى الله عليه وسلم- يرد علينا ما قلنا:"وانفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة،"فكانت التهلكة الإقامة على الأموال واصلاحها وتركنا الغزو.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت