لله بنية خالصة، لأن مقصوده واحد منهم، وذلك بين في قوله -تعالى:"ومن الناس من يشتري نفسه ابتغاء مرضات الله" (البقرة:207) وعلى ذلك فالشاب الذي يقتل نفسه بهذا الأسلوب مخلصا نيته لله، مبتغيا إعلاء كلمة الله، ورجحت جماعته إعزاز الدين وإعلاء كلمة الله بفعله هذا، وتحقيق الأهداف المرتجية وغلبة المصالح على المفاسد، فإنه أقدم على خير العمل، وشرى نفسه ابتغاء مرضات الله وهو معني بقوله -تعالى:"ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد." (البقرة:207) .
وقد ورد من أسباب نزول هذا الآية أنها فيمن يقتحم القتال، كما حمل هشام بن عامر -رضي الله عنه- على الصف في القسطنطينية فقاتل حتى قتل، فقرأ أبو هريرة -رضي الله عنه:"ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله"وروى مثله عن أبي أيوب (القرطبي، 3/ 21) .
تصرف فردي:
وإذا قلنا أن إقدام المسلم على مثل هذا العمل طريقة فرار جماعته أو أميره، أو قائد جيشه ومن في حكمهم حذار نم أن يكون إقدامه على هذا العمل لا يحقق غايته، ويعود على عموم المسلمين بأشد من نكايته في العدو، فإن الحكم يختلف لو كان الهجوم عليه من العدو واحدا أو أكثر، فيبادرهم حينئذ بكل ما يستطيع ولو بتفجير نفسه على ظن أنهم قاتلوه لا محالة ويقتل منهم أكبر عدد يستطيع، ولا يتقيد تصرفه حينئذ بما ذكرنا من رأي جماعته، ومراعاة المصالح، فحاله حينئذ حال من صال عليه العدو، فيجب عليه -على رأي جمهور الفقهاء- أن يقتل من هجم عليه وصال، لقوله -تعالى:"ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" (البقرة:195) إذا اسلم أمره لهم ليقتلوه، أو يستدلوا به على غيره، فقد ألقى بنفسه إلى التهلكة، وربما تسبب في هلكة غيره، فإن قتل فهو شهيد، لقوله -صلى الله عليه وسلم:"من قتل دون دمه فهو شهيد." (الترمذي 4/ 30 وقال: حديث حسن صحيح) .
اختيار أهونهما:
بل لو لم يستطع أن يرد من يعزم الجهاد عليه، أو حوصر موقعه، وليس لديه ما يدفع به عن نفسه، وعنده من الأسرار التي لو أجبر على إظهارها عند الأسر يعرض غيره للهلاك ويتسبب في إفشال خطط المسلمين، يكشف عورتهم، جاز أن يقتل نفسه أو