شيئا ووكل سرائرهم إلى الله."الدرر السنية الجزء8"
ثالثا / الهجرة من البلدان والأراضي:
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا _ إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا _ فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا _ وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} النساء97 - 100""
قال الشيخ عبد الرحمن الدوسري - رحمه الله: وهذه الآيات نزلت في الهجرة، وعظم شأنها وخطرها، وقد كانت جزيرة العرب في عهد النزول قسمين: أحدها دار هجرة المسلمين ومأمنهم، وثانيها: دار الشرك والحرب للدين وفتنة أهله، وكان غير المسلم في دار الإسلام حرا في دينه لا يُفتن عنه ولا يُؤذى فيه إذا لم يجر منه إساءة ولا انحياز لأهل الحرب، كما أنه أيضا حرٌ في تنقلاته لا يمنع من الأسفار، أما المسلم في دار الشرك فعلى العكس من ذلك، يضطهد ويُعذب ليُفتن عن دينه ويُمنع من التصرف في نفسه، فلا يسافر ولا يهاجر إلى إخوانه المسلمين، إذا كان مستضعفا ليس له قوة ولا أولياء أو أنصار يحمونه."صفوة الآثار والمفاهيم"
وقال الطبري- رحمه الله: هاتين الآيتين والتي بعدها نزلت في أقوام من أهل مكة وكانوا قد أسلموا وأمنوا بالله وبرسوله وتخلفوا عن الهجرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين هاجر وعُرض بعضهم على الفتنة فافتتن، وشهد مع المشركين حرب المسلمين فأبى الله قبول معذرتهم التي اعتذروا بها، والتي بينها في قوله خبرا عنهم {قالوا كنا مستضعفين في الأرض} "من تفسيره"
وقال ابن كثير - رحمه الله: نزلت هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكنا من إقامة الدين."عمدة التفسير"
قال الشيخ عبد الرحمن الدوسري - رحمه الله: ولأجل ذلك - يعني استضعاف المسلمين وعدم إقامة الدين- كانت الهجرة واجبة على كل مسلم قادر ليكون حرّا في دينه، آمنا على نفسه، وليكون وليا ونصيرا للنبي صلى الله عليه وسلم، ولأصحابه المؤمنين يعينهم ويكثر سوادهم، ويساعدهم على قمع أعدائهم الكفار، الذين يكررون الهجوم عليهم للانتقام منهم دون فتور."صفوة الآثار والمفاهيم"
قال ابن كثير - رحمه الله: فهو ظالم لنفسه - أي تارك الهجرة - مرتكبا حراما بالإجماع."عمدة التفسير"
وقال عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله معلوم ثبوتها - أي الهجرة - بالكتاب والسنة والإجماع متوعد من تركها، وقد حُكي الإجماع على وجوبها من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، غير واحد من أهل العلم، بل فرضها الله على رسوله صلى الله عليه وسلم والصحابة، قبل فرض الصوم والحج، كما هو مقرر في كتب الأصول والفروع معلوم بالضرورة بالدين."حاشية الأصول الثلاثة"
وقال رحمه الله: وهذا فيه- أي الآيه97 من سورة النساء- أن تارك الهجرة بعدما وجبت عليه مرتكب كبيرة من كبائر الذنوب."حاشية الأصول الثلاثة"