كل شيء آخر، وهو أصدق تعبير على الحب لهذا الدين، وأوفى طريقة لأداء ثمن الصفقة التي عقدها مع ربه.
النفقة في العسر هي المحك، فهنا تظهر حقيقة الإيمان والالتزام، لأنه ما أسهل أن ينفق المرء في حالات اليسر، وما أسهل أن يدّعي المرء الشجاعة والكرم والجود في حالات الرخاء والفراغ، ولكن القليل من يوفِّي ويصدق في دعواه حينما تشتد المحن ويقل الزاد وينادي منادي الجهاد.
أما خلال المرحلة الأخيرة وهي مرحلة الدولة، فإن النفقة ينبغي أن تستمر على جميع المستويات، وتأخذ أشكالًا أكثر تنظيمًا، حيث يتكلف النظام الحاكم في الدولة المسلمة بتشكيل فرق مختصة في كل مجال من مجالات الدعوة، ولكن تبقى الرعية مسؤولة وتساهم بكل ما تملك في سبيل نشر هذا الدين والحفاظ على بيضته، ويكون الجميع مدعوًا إلى النفقة في اليسر والعسر أكثر مما كان الشأن في مرحلة الدعوة والجهاد، لأن الأساس ليس إقامة دولة التوحيد فحسب، إنما الأهم هو الحفاظ على استمراريتها والتصدي لكل مخططات الأعداء الذين يسعون إلى هدم معالمها وإزالة كيانها، فمن باب أولى أن تستمر عملية النفقة بوتيرة أكبر وأسرع.
انظروا كيف تعامل الأنصار مع بنود هذه البيعة عند أول امتحان لهم على أرض الواقع، وذلك عندما هاجر إليهم إخوانهم من مكة، فطلب منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتآخوا في الله أخوين أخوين، فاستجابوا لهذا النداء النبوي وزيادة، حيث قسموا أموالهم وبيوتهم نصفين مع إخوانهم المهاجرين، بل منهم من طلب من أخيه المهاجر أن يختار إحدى زوجتيه ليطلقها فيتزوجها أخوه (يتعلق الأمر بسعد بن الربيع مع عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما) .
وصور أخرى فريدة من نفقة الأموال والأنفس في الغزوات تعج بها كتب السيرة، لولا خوفي من الإطالة لذكرت العشرات منها، وكان الصحابي يأتي ليجاهد فلا يجد ما ينفقه في سبيل الله فيرجع باكيًا متحسرًا ألا يستطيع الخروج مع الجيش، {وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ} [التوبة: 92] .
وإذا ألقينا نظرة فاحصة على واقع الحركات الإسلامية المعاصرة، فإننا نجد صنفين أساسين لا ثالث لهما، صنف يسير وفق بنود بيعة العقبة، خاصة البندين سالفي الذكر (الطاعة والنفقة) ، حيث نجد أفرادها يلتزمون بهما ويجسدانهما خير تجسيد، ومن أجل هذا نجحت وتقدمت في مسيرتها الجهادية وأصبحت تهدد وتخيف العالم الكافر وأعوانه من