الحمد لله رب العالمين القائل {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ، يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا} [الفتح 10] . والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، القائل:"من مات ولم يكن في عنقه بيعة لإمام مات ميتة جاهلية"، ثم أما بعد
كم نحن بحاجة إلى الوقوف وقفات اعتبار وتذكر عند محطات سيرة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، فالله سبحانه قد جعل ذلك تعبدًا قبل أن يكون حاجة وضرورة {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةُُ حَسَنَةُُ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا} ، وفي قوله عز من قائل {قل إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} ، فحاجتنا إلى السيرة النبوية كحاجة السائر في صحراء قاحلة إلى واحات يجد فيها الماء والظل يتزود منها ليواصل رحلته، بل حاجتنا إلى هذه السيرة أشد من هذا المسافر، لأن السيرة تحفظ لنا ديننا وعقيدتنا من الضياع في حين أن هذه الواحات تحفظ لنا حياتنا، وحفظ الدين مقدم على حفظ النفس في سلم مقاصد شريعتنا.
ومن أهم هذه المحطات تلك التي وقف فيها الأنصار يبايعون فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العقبة، وكانت في فترة عرفت فيها الدعوة حالة من الركود والجمود، وذلك بعدما طاف رسول الله على القبائل خارج مكة وعلى الوفود القادمة إليها، فعرض عليهم الدعوة وطلب منهم النصرة وكان الرفض والجفاء والاعتداء عليه هو الجواب، فأذن الله تعالى لهذه الدعوة أن تتنفس من جديد وتنطلق في الآفاق بعدما وفرت تلك القاعدة الصلبة الأولى شروط النصر وتحققت فيها العناصر اللازمة لحمل البناء القادم من أجل توسع موزون وفق مشيئة الله وقدره.
جاءت هذه البيعة لتقلب الكثير من الموازين داخل مكة وخارجها، ولتكون إعلانًا جديدًا ومنطلقًا لمرحلة الدولة الإسلامية، بعدما قطعت الجماعة المؤمنة مرحلة الدعوة والتمحيص بنجاح لا نظير له، فكانت هذه الانطلاقة بمثابة منحة ربانية لهذه الجماعة، وهي في الوقت ذاته محنة نظرًا لثقل التبعات التي تنتظرها في مستقبل الأيام.
ذلك أن مرحلة الدعوة ستعرف منعطفات جديدة ومتطلبات ثقيلة، وستشتد الحرب بين طرفي الصراع أكثر من ذي قبل، نظرًا لتمايز الصفين ولإعلان الفئة المؤمنة حربها على جموع الكفر لأول مرة منذ انطلاق الدعوة كما سنرى في الصفحات القادمة من هذا المقال